بقلم: طارق الشناوي
اقتحام المستحيل يظل يشغل جزءاً حميميًا فى كل معادلات الحياة، مع اختلاف المرحلة العمرية، سواء امتلكنا القدرة على البوح أم اكتفينا بالصمت، قطعاً فى مرحلة المراهقة وبواكير الشباب يصل حلم الإمساك بالمستحيل للذروة، ومع الزمن يتدخل العقل فى تهذيب تلك الشطحات، سواء بالعدول عنها تمامًا أو منحها قدراً من المنطقية وساعتها يهبط السقف من سماء المستحيل إلى أرض الممكن، سواء أفصحنا عنه أم اكتفينا فقط بالحلم، كل منا لديه حكاية يحتفظ بها فى الذاكرة، المسلسل أعادها لنا مجدداً.
النجاح الجماهيرى الذى حققه مسلسل «يا ورد على فل وياسمين»، أراه فى عمقه يتكئ على قدرته أن يوقظ بداخل كل منا لحظة ما عانقنا فيها المستحيل، قبل أن يوقظنا الواقع بكل محدداته الصارمة. كمشاهدين تواطأنا ومع سبق الإصرار على تصديق تلك الحالة المغرقة فى الميلودرامية، وكلما صادفنا موقفاً متجاوزاً قدرتنا على التصديق يصبح فى نفس اللحظة محفزاً إيجابياً للتصديق، وهكذا جاءت النهاية بموت البطلة صبا مبارك التى تؤدى دور سيدة مطلقة وأم وفى مرحلة متأخرة من مرض «اللوكيميا»، ورغم ذلك تكتشف أن سقف خيال الجمهور قفز إلى نقطة أبعد من كاتبى المسلسل عمرو سمير عاطف ووائل حمدى، كان الحلم بعبور صبا إلى شاطئ الحياة يسيطر على المشاهدين ولسان حالهم يقول «ليه لأ».
المخرج محمود عبد التواب لديه فى رصيده أكثر من مسلسل ناجح، إلا أنه هذه المرة عرف لأول مرة النجاح الجماهيرى الطاغى، الذى يبدأ بالحماس للفكرة، واختيار الممثلين بوضعهم فى تحد داخلى، كما جاء اختياره للوجه الجديد أحمد عبد الوهاب لأول مرة كبطل مجازفة محسوبة، سبق وأن شاهدت أحمد فى العديد من الأدوار الكوميدية، وأجادها بأداء هادئ جداً، ولاحظت أنه يحرص على أداء الدور بقدر لا ينكر من الجدية، لا يعنيه البحث عن لزمة أو إيفيه، ولهذا كان ينجح فى خلق ضحكات تلقائية، هذه المرة هو البطل الأول تلك مجازفة فنية وإنتاجية أيضاً، استطاع أن يعبرها البطل الشاب بنعومة ويكسب الرهان. هناك خيط رفيع يجمع كل الشخصيات وهو الأداء بجدية وأيضاً العصرية والطزاجة فى اختيار مفردات الحوار، وأدرك الكاتبان عمرو ووائل، أن الفروق الثقافية والاجتماعية والنفسية بين عالم طبيب التحاليل طارق وعالم الكوافيرة إلهام ينبغى أن تظل تلعب دور البطولة على الشاشة، كما أن دخول العالم الافتراضى وتأثيره على الطبيب طارق، وخضوعه له جزء حميم من ثقافة هذا الجيل كانت له مساحته.
بنسبة كبيرة تنحاز الدراما للمرأة فهى الأكثر عطاء وتضحية، ولا بأس قطعاً من نشر تلك الرسالة، خاصة مع مجتمع ذكورى شاهدنا فيه مؤخراً أحد ممن نطلق عليهم رجال الدين وهو يؤكد أن زواج لاعبى الفريق القومى كل منهم بثلاث نساء هو الطريق للمونديال وفى هذه الحالة يصبح من حق المدير الفنى الزواج من أربعة، المجتمع القاهر للمرأة ربما كان دافعاً لكى نرى تعاطف الدراما مع المرأة، حتى فى أخطائها طالما أنها قررت ألا تكررها.
الممثلون أجادوا قراءة الشخصيات، لدينا مثلاً صبا مبارك مصدقة لأقصى درجة فى أداء دور بنت البلد المصرية، الحكاية لم تكن أبداً جنسية ولا حتى ضبط مفردات الحوار، قدرة استثنائية على التعبير الذى يثير دهشة المشاهد من فرط صدقه، فى لحظة ما تريد أن تعثر فى ملامحها على التحدى المفروض عليها فتصدقها، تواجه الفقر والمرض أو الخوف على ابنها، تصدقها كما تصدقها أيضاً تلك اللمسة الدافئة عندما تشعر ببداية إحساس عاطفى مع طارق، الشخصية متعددة الأبعاد ولهذا كان ينبغى أن يسندها المخرج إلى ممثلة تمتلك كل هذا الفيض من المشاعر، أعجبتنى ميمى جمال، التى أضفت روح المرح، كانت هناك فى الحلقات الأولى، علاقة بالنظرات الموحية حيناً والمعاتبة حيناً بين سلوى محمد على وابنها أحمد عبد الوهاب، ولا أدرى لماذا لم يكمل المخرج هذا الحوار الملىء بخفة الظل وأيضاً التفرد. وداع جميل على الشاشة للممثل الراحل محمد مرزبان وهو يمنح أملاً للمرضى حتى فى لحظاتهم المتأخرة ولدينا أيضاً وليد فواز وفدوى عابد وإسماعيل فرغلى وهناك ممثل يمتلك قدرة خاصة على التعبير ياسر عزت، وأجاد المخرج الحفاظ على تلقائية الطفل سليم يوسف، توظيف جيد لموسيقى شادى مؤنس، وكان أيضاً الديكور بطلاً مع الأسف لم ألتقط اسم هذا المبدع.
المسلسل استطاع اختراق الشاشة ليستقر فى الوجدان، ليعيش كل منا أمل مستحيل فى عناق المستحيل، رغم يقينه أنه مستحيل!!.