نجيب محفوظ يقول «لا أفكر في الخلود»

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

المغرب اليوم -

نجيب محفوظ يقول «لا أفكر في الخلود»

بقلم:طارق الشناوي

لم يعش «نجيب محفوظ» بيننا بقدر ما عاش فينا، غاب قبل نحو ٢٠ عاماً، إبداعه لا يعرف أبداً الغياب.

رجل الشارع ربما لم يقرأ له حرفاً واحداً، نجيب محفوظ يساوى تلك الصورة الذهنية، رجل طيب خفيف الظل، محب للحياة، تعلو وجهه ابتسامة ودودة دافئة، من لم يعرف نجيب محفوظ اعتبر نفسه بسبب تلك الابتسامة من محاسيبه ودراويشه وحرافيشه.

لم ألتقِ الأديب الكبير إلا مرات قليلة، أتذكر واحدة؛ كان جسر التواصل بيننا واحداً من معالم شلة الحرافيش المخرج الكبير توفيق صالح، شاهدت فيلم «نور العيون»، المأخوذ عن قصة قصيرة فى مجموعة «خمارة القط الأسود»، وشعرت أن ما رأيته على الشاشة لا صلة له من قريب أو بعيد بما قرأته، وحيد حامد كاتب السيناريو لم يدافع عن الفيلم وقال لى حسين كمال مخرج كبير هو المسؤول، تذكرت مقولة نجيب محفوظ: «من يريد أن يحاسبنى، عليه أن يعود إلى الرواية، أما الفيلم فإنه مسؤولية المخرج»، هذا القانون يجنب لنجيب محفوظ الدخول فى معارك خارج الرقعة!!

لأول مرة فى تاريخ أديبنا الكبير يعلن عن غضبه، حتى فى الغضب لم يتخل عن روحه الساخرة قال لى «أنا خايف الناس يا طارق يعاتبونى ويقولوا إيه اللى لمك يا نجيب على الرقاصة دى»، نشرت الحوار على صفحات مجلة «روزاليوسف»!!

سألته عن أحب أفلامه إليه؟ أجابنى «بداية ونهاية» و«خان الخليلى»، الفيلمان وصفهما محفوظ بأنهما كانا صادقين فى تقديم رؤيته الفكرية، الغريب أن التليفزيون يتحرج دائماً فى تقديم «خان الخليلى» بسبب النهاية المأساوية.

وجه آخر لنجيب محفوظ الموظف، اقتربت منه فى الحوار سواء فى الرقابة التى تولى مسؤوليتها عام ٥٩ أو فى مؤسسة السينما المصرية عندما ترأسها عام ٦٦، فى الرقابة منع تماماً نجيب محفوظ طول فترة رئاسته أن تقدم أفلامه على الشاشة حتى إن قصة «القاهرة الجديدة»، التى أصبحت فى الفيلم السينمائى «القاهرة ٣٠» القصة قدمها صلاح أبو سيف فى معالجة درامية رفضتها الرقابة قبل أن يتولى رئاستها نجيب محفوظ.. وعندما ترأس هذا الجهاز الحساس رفض أن يعاد النظر فى قرار المنع وظل القرار سارى المفعول حتى غادر نجيب محفوظ مقعد الرقابة!!

فوجئ بأن الرقابة ترفض أغنية «يا مصطفى يا مصطفى» بدعوى أنها سياسية تنتقد نظام الدولة. وتتغزل فى حب «مصطفى باشا النحاس»، «يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى»، رفض نجيب تلك القراءة المتعسفة، وسمح بتداولها، وحققت أكبر عدد من الأسطوانات فى البيع طوال تاريخ الغناء المصرى!!


أديبنا الكبير فوجئ بأنه بعد أن أيد موقف الرئيس السادات فى عقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، أنه قد أصبح فى القائمة السوداء، والقصص التى تعاقدوا عليها قبل «القائمة»، وأصبحت أفلاماً تم تغيير عنوانها وحذف اسم نجيب محفوظ من «التترات»، مثل «دنيا الله» أصبح الاسم «عسل الحب المر». و«الشيطان يعظ» تحولت إلى «الجبابرة» وعرضت فى دول الخليج العربى بتلك الأسماء سواء فى السينما أو على أشرطة فيديو كاسيت!!

فى حياة نجيب محفوظ فريق عاش معه أيامه ولياليه «شلة الحرافيش» منذ الخمسينيات كان من بينهم أحمد مظهر، رسام الكاريكاتير بهجت عثمان، الكاتب محمد عفيفى، عادل كامل الذى هجر الأدب، والمخرج توفيق صالح آخر عنقود الحرافيش وأصغرهم سناً، يقدسون موعد سهرة الخميس ولا يتخلفون أبداً عنها.

حاولت نادية لطفى فى فترة الانضمام إليهم ولكن لم يسمح لها سوى بالانتساب، جلسات الحرافيش الأصليون غير معلنة ولا يتم الإفصاح عما يدور خلالها ولهذا ظهرت بعد عام ١٩٨٨ – حصوله على نوبل – مجموعة أخرى من الكتاب والشعراء من الجيل التالى وأصبح موعدهم الأسبوعى الدائم مساء الثلاثاء وكان من بينهم فى البداية جمال الغيطانى ويوسف القعيد وعبد الرحمن الأبنودى!!

أول حوار لى مع أديبنا الكبير نشرته فى مجلة «الوادى» ١٩٨٤، واجهته بعدد من الأسئلة من تلاميذه وأصدقائه وبينها سؤال من الكاتب المسرحى الكبير نعمان عاشور عن «الخلود» قال لى «الزمن القادم لا يعنينى» أنا أكتب لهذا الزمن، ولهؤلاء القراء الذين يعيشون معنا، سيأتى من بعدى جيل له مفرداته وأيضاً كتابه.

واقعياً، اخترقت أعمال نجيب محفوظ حاجز الزمن، انتقلت من جيله لجيلنا وستظل تتنفس إبداعاً مع الأجيال القادمة، هو لم يبحث عن الخلود، الخلود كان يطارد نجيب محفوظ!!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نجيب محفوظ يقول «لا أفكر في الخلود» نجيب محفوظ يقول «لا أفكر في الخلود»



GMT 05:00 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 04:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 04:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 04:58 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 04:57 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

GMT 04:52 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرج السلطنة

GMT 04:55 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

أهليون

GMT 04:54 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الحروب والكروب و«شرّاي الطلايب»

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 17:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 13:22 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

الحرب على الديمقراطية

GMT 09:26 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

عصام جعفري من المغرب يحقق لقب "توب شيف العالم العربي"

GMT 12:47 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

كاظم الساهر وماجد المصري يتألقون علىcbc في "مدرسة الحب"

GMT 13:19 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

وكيل وزارة الدفاع الإماراتي يلتقي السفير الهندي
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib