بقلم: طارق الشناوي
صارت تذكرة المليون جنيه حديث الملايين، وكأنهم فى دهشة مما يحدث، رغم أننا تعودنا أن نرى أسرة تعيش فى قصر وأخرى فى عشة، وتلك هى الحياة. اتساع الهوة فى التفاوت الطبقى وكأننا نتابع مجتمعا نطل عليه من بعيد لبعيد، كأنهم يعيشون فى غرف زجاجية شفافة، والاسم المتداول سكان (الساحل الشرير)، زجاجة المياه التى تساوى ٥ جنيهات تدفع فيها عن طيب خاطر ١٠٠٠ جنيه.
بديهى أن تصل تذكرة عمرو إلى مليون، حتى لو كان التحليل لهذا الرقم يؤكد أنه مقابل حد أقصى ١٥ مدعوا، مع تقديم خدمات استثنائية، وبالطبع من حق من يدفع أن يكتفى فقط بنفسه وبتذكرة واحدة لا يشاركه فيها أحد يستمتع بعمرو منفردا.
أعلم أن مثل هذه الأرقام لا يتعامل معها الناس بتلك الحيادية، وكثيرا ما تؤدى إلى زيادة مساحات السخط والغضب لدى قطاع كبير من الناس، يشكلون الأغلبية، تصيبهم تلك الأخبار بحالة من الإحباط .
أتذكر أن الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك عام ٢٠٠٩، عندما كان الإعلام يروى الكثير عن الليلة الأسطورية التى أقيمت فى بيروت فى حفل زفاف المطربة هيفاء وهبى، على الملياردير أحمد أبو هشيمة، اضطر مبارك فى خطابه إلى الإشارة لضرورة مراعاة مشاعر المواطنين، ولم يفصح عن الأسماء، والتقط أبوهشيمة وهيفاء الرسالة، وأكدا أن هناك مبالغات فيما تناوله الإعلام، رغم أن بعض المجلات والجرائد الأسبوعية أبكرت وأخرى أرجأت، مواعيد صدورها لتواكب الحدث، فى كل الأحوال تم الطلاق بعد نحو ثلاث سنوات، وظل الحفل الأسطورى يُضرب به المثل حتى الآن، فى الفخفخة والإبهار.
سعر التذكرة هو المعادل الموضوعى لقانون العرض والطلب. عمرو حالة استثنائية، وبقاؤه أربعة عقود معتليا القمة يؤكد أن لا شىء عشوائى، وسعر التذكرة الذى يبدأ برقم الألف وينتهى بمليون يجب أن يحظى أولا بموافقة عمرو.
قبل سنوات قلائل كان بينى وبين عمرو تواصل تليفونى، وأثيرت وقتها حكايات مماثلة عن ارتفاع سعر التذكرة، واقترحت عليه أن يقدم حالة موازية لما يفعله كبار الكتاب عندما يصدرون طبعة فاخرة لأحد الإصدارات، وبعدها بأيام أو أسابيع على أكثر تقدير يصدرون طبعة شعبية بسعر زهيد فى متناول أغلب القراء من الشباب.
المطرب الجماهيرى بحاجة ماسة وحتمية لمثل تلك الحفلات، التى يقدمها مثلا فى القلعة أو استاد القاهرة، بديلا عن الجامعة الأمريكية أو الساحل، لا يمكن التحجج مثلا بأن حفل (الجامعة الأمريكية) بعد أيام سيصبح متوفرا على (النت)، وبالمجان.
التفاعل مع المطرب عبر الشاشة يختلف تماما عن المعايشة فى الحفل، قيمة المطرب تتأكد من خلال (ترمومتر) التلاقى المباشر.
كل المؤشرات تؤكد أن التذاكر نفدت بمجرد الإعلان عنها، لا شىء يقدم عليه عمرو إلا وقد تأمله وأخضعه للدراسة، وبكل أبعاده، فلا يفاجأ بأى رد فعل، عمرو يدرك أن الجمهور الذى منحه كل هذا الحب من حقه أن يستمتع بمطربه المفضل فى حفل يتاح له الحضور بسعر تذكرة من الممكن أن يتحمله. هذا الجمهور هو الذخيرة الحية لعمرو، وعليه أن يقدم لهم رسالة بين الحين والآخر تؤكد أنه يتوق أيضا لرؤيتهم والتفاعل معهم.
تباين سعر التذاكر عرفناه فى كل العهود مع كل المطربين، كان سعر التذكرة فى زمن أم كلثوم الكرسى الخلفى يصل إلى جنيه، وأتصور أنه يساوى الآن ألفا، وهو بالتحديد الرقم الذى حدده عمرو لأرخص تذكرة!!.