رسالة فان جوخ التى لم يكتبها

رسالة فان جوخ التى لم يكتبها

المغرب اليوم -

رسالة فان جوخ التى لم يكتبها

بقلم:خالد منتصر

فى السابع والعشرين من يوليو ١٨٩٠، خرجت إلى حقول القمح البراح التى صارت ملجئى فى الأيام الأخيرة، أرسمها بشهوة من منحته السماء وقتًا محددًا لممارسة اللذة المحرمة، كنت قد أنهيت لوحتى «حقل القمح والغربان»، طغت الغربان السوداء على اللوحة، لتلتهم لونى المفضل، الأصفر، ذلك اللون الذى اتهمونى بأننى كنت ألتهمه من الأنبوبة أثناء نشوة الرسم، ونوبة الصرع والصراع مع الخط والضوء والظل والملامح، قررت اليوم أن أرسم الجذور، عمق الحياة فى مواجهة الذبول، الموت، جذور تلو جذور تلو جذور، تركت أصابعى الريشة، وألقيت باللوحة بعيدًا، وأخرجت مسدسى المخبأ بين طيات ملابسى، والذى لا أعرف لماذا كنت حريصًا على أن يصاحبنى فى كل رحلاتى الأخيرة مع ألوانى وأوراقى إلى حقل القمح.
تساءلوا بعد رحيلى عن سبب عدم تصويب المسدس إلى رأسى، حيث الموت محقق، والنهاية حتمية، لم يعرفوا أننى فى البداية صوبته نحو الرأس، لكنى عندما حدقت فى الشمس، وجدت ألف لوحة، وألف مشهد صالح للرسم والتلوين، كنت رافضًا لاغتيال تلك الألوان والمشاهد، حتمًا سيأتى طفل شارد، أو فنان مجنون، ليلتقط تلك الألوان من بين سنابل القمح، ويمنحها الحياة، هبطت بالمسدس حيث القلب، لكن كان ما زال فى القلب بقايا حب، للعمال الفقراء الذين كنت أعظهم فى المناجم، والذين أكل السل رئاتهم المنهكة، لأورسولا التى رفضت حبى ورفضت ملامحى التى صرحت لى بأنها مخيفة، للشمعة التى وضعت كفى عليها أمامها وأنا لا أشعر إلا بنار عشقها، لـ SIEN فتاة الليل التى لم أحتمل رؤيتها فى الصقيع وهى حامل، لم أهتم بمعرفة من هو الأب المجهول لتلك الطفلة التى ستشاركنا السكن، كنت مهتمًا بإطعامها وتدفئتها وعلاجها، وبعد أن تركتنى فجأة ككل من منحتهم قلبى، ظللت مدينًا لها بأنها منحتنى بورتريهات الموديل العارى التى أخفيت فيها ضلوعها البارزة، ووجنتيها المدببتين، وسواد ما حول العينين، ومنحت ثدييها المترهلين شبق الحيوية برغم الضمور والجفاف، كان مازال فى القلب كل الفقراء الذين رسمتهم فى الأزقة والحانات، الفتاة التى ذهبت إليها فى بيت الدعارة حيث أهديتها شحمة أذنى المبتورة، تلك القطعة التى أحسست أنها زائدة عن بورتريه جمجمتى، بعد أن تشاجرت مع جوجان، الذى برغم غطرسته ورفضه الاستمرار معى فى البيت الأصفر الذى كنت أتمنى أن يكون مستعمرة لفنانى التيار الجديد، كان له مكان فى القلب، كان ملتهبًا ووحشيًا، لكنى كنت أحبه، وعندما هجرنى، قررت إهداء أذنى لتلك الفتاة التى راهنتنى عليها بعد بوحى بالحب لها، كل هؤلاء وغيرهم حتى من كتبوا عريضة لطردى من آرل وإيداعى المصحة النفسية ووصفونى بالمجنون ذى الشعر الأحمر، أحببتهم، وكان لهم ركن عزيز فى القلب.

قررت الحفاظ على كل هؤلاء، ونزلت بالمسدس إلى البطن، أسفل المعدة، ضغطت على الزناد، حدقت فى الأصفر الذهبى، الشمس والقمح، ودعته وأنا أترنح، سعيدًا بأننى أخيرًا استطعت أن أحلق، كالطيور التى كنت أعشقها، وأتابعها أثناء سيرى الطويل بحذائى الممزق، والذى خلدته فى عدة لوحات، حتى صار أيقونة عشق، أخبرونى أنه بعد رحيلى، عشق الملايين حذائى وغليونى والكرسى الذى رافقنى فى حجرتى فى آرل، لم تكن تلك الأشياء جمادًا بالنسبة لى، لم أتعامل أبدًا مع كل ما حولى من أشياء ونباتات وحيوانات، على أنها الأدنى، ولا اعتبرتها خرساء، فقد كانت تتحدث معى، وتربت على كتفى، وجدت فيها الحنان، والفهم الذى لم أجده فى كثير من البشر.

ذهبت إلى مكان سكنى لا سكينتى وأنا أزحف، أمسك بطنى التى اخترتها قبرى الأخير ومكان رصاصتى، لأنها كانت الوحيدة الخاوية، إلا من الخمر والدخان، كان د.جاشيه الطبيب الذى يتابع حالتى فى القرية، والصديق المتذوق نصف الفنان، ينصحنى دائمًا بالامتناع عن هذين الرفيقين، الغليون وزجاجة الخمر، لكنى لم أستطع تنفيذ تعليماته، كان أول من عرف بخبر انتحارى هو د.جاشيه، ضمد الجرح وهو يعرف جيدًا أننى أودعه الوداع الأخير، عندما حضر ثيو، كعادته كان يحقننى بالأمل، يحدثنى عن مستقبل لوحاتى التى لم أبع منها إلا لوحة واحدة حتى لحظة الوداع، كانت لوحة العنب الأحمر، أمتعنى النبيذ حيًا حين شربته وحين رسمته!، كان ثيو قد أخبرنى فى خطابه الأخير بأنه سيهجر عمله فى تجارة اللوحات، لم يكن لى فى هذا الكون من يحنو على سواه، كنت حزينًا لحزنه واحباطه، وقد آثر ألا يهجرنى، رحل بعدى بستة شهور صريع الزهرى، ودفن إلى جانبى فى AUVERS، تظللنا زهور من حديقة د. جاشيه.

رفضت الكنيسة الصلاة على جثمانى، لأننى منتحر، كأننى أجرمت أو ارتكبت إثمًا، وأنا من نذر أبوه حياته للكنيسة، وجعلنى فى بداية حياتى واعظًا ومبشرًا، لكنى وجدت أن مسح دموع الفقراء واطعام العمال البؤساء أهم من كل الخطب الرنانة التى حفظتها، رفضنى القساوسة والرهبان، تمدد جثمانى البارد أمامهم وهم يتجادلون حول عدم جواز الصلاة على المنتحر، أحدق فيهم مبتسمًا فى سلام، ولأول مرة، مقررًا التحليق بدون صلواتهم، يكفينى شاهد قبر مكتوب عليه «هنا فنسنت فان جوخ» ١٨٥٣- ١٨٩٠، وبجانبى رفيق العمر وظهر السند، ثيو ١٨٥٧- ١٨٩١، إنها ٣٧عامًا من الهروب المزمن، والفرار المستمر، وقد آن الأوان أن أستقر وأن أستريح من عذاب مطاردة السراب.

هذه ليست أول مرة ترفضنى الكنيسة، فقد رفضتنى مبشرًا دافئًا، كما رفضتنى جثة باردة، رفضتنى الكنيسة بحجة أننى لا أتقن اللغة اليونانية، حاولت التصالح مع المؤسسة الدينية، ذهبت مبشرًا لعمال مناجم الفحم فى بلجيكا، وجدت أن العظة لا تسد جوعًا ولا تغطى عريًا، تبرعت لهم بالطعام والملابس، أرسل تقرير إلى الكنيسة يصفوننى فيه بغريب الأطوار، وأننى أسلك سلوك الفقراء، فكان الرفض الثانى، قابلت أثناءها قسيسًا، صرخت فى وجهه «لم يفهمنى أحد، إنهم يعتبروننى مجنونًا لأننى حاولت أن أكون مسيحيًا حقيقيًا، إنهم يطردوننى كالكلب قائلين إننى أثير الفضائح لأننى أحاول التخفيف من بؤس التعساء، لا أعرف ما الذى سأفعله، ربما كنتم على حق وأنه لا جدوى منى، واننى مجرد أبله على هذه الأرض».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسالة فان جوخ التى لم يكتبها رسالة فان جوخ التى لم يكتبها



GMT 06:34 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

تذكرة المليون

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

زمن الحرب ؟!

GMT 06:46 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

عودة الحربِ أو الحصار

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«فيفتي فيفتي»

GMT 06:44 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

ساعة الالتفاتِ إلى الساعة

GMT 06:42 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

أمير طاهري و«جوهر» المشكلة

GMT 06:41 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

لبنان... مواجهة لعبة التفكيك

GMT 06:40 2026 الإثنين ,13 إبريل / نيسان

«جناح الفراشة» يتحدَّى قطعة «الكنافة»

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 20:58 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 08:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 14:58 2017 الأحد ,31 كانون الأول / ديسمبر

تألق عادل تاعرابت يقربه من مونديال روسيا 2018

GMT 08:20 2018 الأربعاء ,04 إبريل / نيسان

جددي منزلك في الربيع من أفضل المتاجر عبر الإنترنت

GMT 19:08 2016 الثلاثاء ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد عبد العال يؤكد أن هناك سحبًا مصحوبة بأمطار في مصر
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib