أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

المغرب اليوم -

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

سليمان جودة
بقلم : سليمان جودة

طَرَق العام الجديد باب العالم ثم دخل، بينما غادر العام المنقضي ممسكاً متعلقاته في يده، آسفاً على ما رآه منا طول السنة.

غادر متمنياً لو أن له لساناً يستطيع به رد الأذى الذي أصابه وهو يلملم أشياءه. غادر ولسان حاله يردد بيتين من الشعر للإمام الشافعي الذي عاش يقول:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ

ولو نطقَ الزمان لنا هجاناولا بد أنَّ كثيرين ممن تابعوا العالم وهو يُعلّق أخطاءه وخطاياه على شماعة السنة المنقضية، قد أسفوا على ذلك أشد الأسف، ولا بد أنهم قد ذكروا ما رواه القرآن الكريم عن موسى عليه السلام، وهو عائد يُعنّف بني إسرائيل على ما ارتكبوا في غيابه، وعلى عبادتهم العجل، وعلى استضعافهم أخاه هارون، فقال: «فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً».

مضى العام المنقضي إلى غايته، ثم إلى مكانه في عالم الغيب، وهو في أشد الغضب مما راح العالم يُعلقه على كتفيه، مع أنه عام مثل كل الأعوام، إنْ كان فيه خير فبما فعل الذين عاشوا فيه، وإنْ كان العكس فبما فعلوا هُم أيضاً لا سواهم.

مضت السنة المنقضية وهي تتساءل عما ارتكبته في حق أي أحد، وعما جَنته يداها لتتلقى كل هذا اللوم الذي طالها، والتقريع الذي أدركها، والسوء الذي تطلعت به الأعين إليها، والضيق الذي وجدته في وجه كل واحد كان يودعها، والبهجة التي بَدَت على وجوه كل الذين تمنوا رحيلها. لم يذكر لها أحد خيراً رآه فيها، ولم يتوقف أحد أمام غيث جاءه خلالها، ولا أقرّ أحد بشيء حصل عليه أثناءها. لا شيء أبداً، ولا حتى شيء يشبه الشيء؛ فالمشاعر كانت كلها استياءً في استياء، وحنقاً في حنق، وغضباً في غضب، وكل ما جاء على هذا المستوى، أو هذه العينة، أو هذا المَعين الذي امتلأ عن آخره حتى فاض على جانبيه!

مضت السنة المنقضية وهي تُطلق علامة استفهام بحجم الأرض، عما إذا كانت هي التي جاءت إلى البيت الأبيض برجل اسمه دونالد ترمب في أولها، فلم يكد يدخل مكتبه البيضاوي الشهير حتى كان قد سارع يقلب العالم رأساً على عقب؟

مضت السنة المنقضية وكأنها ذلك الرجل الذي جاءوا له بعروس لم يتوقع أن تكون قبيحة المنظر، فراح يأسى لحاله ويقول:

جاءوا بها قبل المحاق بليلة

فكان محاقاً كله ذلك الشهرُ

نعرف أن المحاق هو القمر في أقل حالات الإضاءة في الشهر، وأنه حالة يشتد فيها سواد الليل، فلا تكون الأجواء إلا ظلاماً يتراكم بعضه فوق بعض.

ومن بيت الشعر نفهم إلى أي حد كانت مأساة الرجل مع العروس التي وجدها أمامه، فلم يذكر من دنياه إلا أن زواجه كان قبل المحاق بليلة واحدة، وأن الشهر صار كله محاقاً، فلا القمر غادر مرحلة المحاق، ولا سواد الليل تبدد أو انكشف!

شيء من هذا مع الفارق حدث مع العالم، فكان وكأنه نُسخة بالكربون من أمر الرجل الذي تحوّل الشهر كله في حياته محاقاً شاملاً. كانت حالتنا طول السنة المنقضية شاملة أيضاً، وكانت صورة مكبرة بحجم العالم من حالة الرجل مع العروس، ولم نكن نعرف ونحن نستقبل الرئيس الأميركي الجديد في العشرين من يناير (كانون الثاني) في السنة المنقضية، أن حالنا في أركان الأرض سيكون كحال ذلك الرجل. فلقد تخيل عند لحظته الأولى أن عروسه ستكون فألاً حسناً عليه، فإذا بها سوء الحظ يتجسد في امرأة!

مضت السنة المنقضية وفي فمها أسئلة حرَّى حول ترمب فهو لا يتوقف عن الكلام، ولا عن الاسترسال، ولا عن الهجوم، ولا عن توجيه اللكمات في الاتجاهات الأربعة! إنه يبدو كالنار التي قيل فيها إنها تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. إنه يمارس ما يمارسه في الليل كما يمارسه بالنهار، وكأن نوماً لا يزوره، أو كأنه لا يعرف النوم!

مضت السنة المنقضية ولسان حالها يقول إن الرجل القاطن في البيت الأبيض كذلك بالفعل، وإن الذين تَيسّر لهم أن يدرسوا هذه الحالة عنده، قالوا إنه يبدو وكأنه قد ورث ما يقال عنه إنه «جين ثاتشر». والقصد أن مارغريت ثاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، لم تكن تنام إلا قليلاً، وكانت تُرهق مَنْ حولها وتُتعبهم غاية التعب؛ لأنها كانت تريدهم متيقظين مثلها، ساهرين كحالتها، متأهبين محتشدين كما هي ساعات الليل والنهار!

مضت السنة المنقضية وهي تأمل منا أن نكون أفضل حالاً مع لاحقتها، ثم وهي تهمس في آذاننا أننا نحن الذين علينا أن نكون الأفضل لا السنة اللاحقة، التي لن تختلف عن سابقتها في شيء كمساحة زمنية مجردة لم تمتلئ بعد. إنما الاختلاف كله هو بين الناس وفي الناس.

إنْ اختلفوا اختلف عامهم الذي بالكاد يدق الباب، وإنْ لم يختلفوا فليبحثوا عن سبب آخر لتعاستهم بخلاف إلقاء المسؤولية على كتف السنة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها



GMT 10:58 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 10:57 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 10:56 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

صفقة ظريف غير الظريفة

GMT 10:55 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

نحن... وإسرائيل في عصرها «الكاهاني»!

GMT 10:54 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

«اليوم الموعود»

GMT 10:53 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

مضيق هرمز ؟

GMT 10:51 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

نسخة مُحسَّنة

GMT 10:50 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

ذكريات روسية!
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib