حتى أنت يا ستارمر

حتى أنت يا ستارمر

المغرب اليوم -

حتى أنت يا ستارمر

بقلم: سليمان جودة

يستيقظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب صباح كل يوم، ويطلب تقارير عن مواقف عواصم أوروبا تجاه حربه الأميركية الإسرائيلية مع إيران، فإذا طالعها فإنه يضعها إلى جانبه، وهو أقرب إلى اليأس منه إلى الرجاء. يفعل ذلك وكأنه يزيحها من أمامه، ولسان حاله: حتى أقرب الحلفاء هذا هو موقفهم؟

الطعنة تكون أكثر إيلاماً عندما تأتي من الأصدقاء المقربين.

فليس غريباً بالنسبة للرئيس الأميركي أن تقرر وزارة الدفاع الإسبانية إغلاق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأميركية التي تشارك في الحرب مع إيران. فمن قبل كان هناك قرار إسباني شبيه بهذا، وكان يقضي بمنع الأميركيين من استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في هذه الحرب، وبالتالي فليس قرار إغلاق المجال الجوي سوى تحصيل حاصل.

والقراران في الحقيقة امتداد لسياسة إسبانية تعارض صراحةً ما تمارسه الولايات المتحدة من سياسات في الشرق الأوسط، ولا يزال بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة في مدريد، ينفرد بين الساسة الأوروبيين بموقف معارض وقوي لسياسات ترمب، وقد بلغ في معارضته، ثم في قوة هذه المعارضة من جانبه، إلى حد أنه لا يقف ضد سياسات الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط وحده في العموم، ولا في الحرب على غزة بالخصوص، ولكنه يعارض كذلك وبقوة، ما يتبعه سيد البيت الأبيض من سياسات تجاه أوروبا، بل وفي غير أوروبا باتساع العالم.

وعندما دعا الرئيس ترمب قادة أوروبا إلى أن يرتفع الإنفاق العسكري لديهم إلى خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لم يملكوا جميعاً إلا أن يستجيبوا تحت وطأة تهديداته، إلا سانشيز الذي وقف وقال: لا!

ولم تكن «لا» السانشيزية جملة عارضة في سياسة الحكومة الإسبانية، ولكنها كانت جملة في سياق متصل لا يختلف أوله عن آخره، ولا يجد فيه ترمب ما يسعده أو حتى يريحه، وكان سانشيز ولا يزال يقف أمام سياسات الإدارة الأميركية بلهجة عالية، ووتيرة مستمرة، ونهج يشير إلى نَفس طويل، لا إلى مجرد رغبة في إبداء الاعتراض على شيء هنا أو آخر هناك.

وفي لحظة بدا الموقف الإسباني المتسق، وكأنه عدوى تنتشر في أنحاء القارة الأوروبية، فلا تعترف بحدود في طريقها، ولا توقفها قيود أو سدود. وكان من علامات ذلك إعلان إيطاليا عدم موافقتها على هبوط الطائرات الأميركية في صقلية الإيطالية!

وحين حدث ذلك، فلا بد أن الرئيس الأميركي قد استغربه جداً ولم يستوعبه، فهو يعد جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية، الأقرب إليه من بين رؤساء الحكومات الأوروبية، وقد كان ذلك واضحاً منذ أن ربح السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض وقبل أن يدخله. كانت هي تقريباً الوحيدة من بين ساسة أوروبا التي زارته في منتجعه الشهير في فلوريدا عند انتهاء السباق، وكان يراهن عليها لتكون أقرب ما تكون إلى كعب أخيل في أوروبا، لولا أن قرار حكومتها بعدم الموافقة على هبوط طائراته في صقلية قد أفسد هذا الرهان.

ومن إيطاليا إلى ألمانيا، حيث أعلن البرلمان الألماني أن الحرب التي يقودها ترمب تخالف القانون الدولي، فجاء ذلك مُخيباً لآمال الرئيس الأميركي الذي كان يعقد آمالاً عريضة على المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

وعندما وصف الرئيس الأميركي فرنسا بأنها لم تقف مع بلاده في الحرب، وأن واشنطن لن تنسى ذلك أبداً، فإنه من دون أن يدري كان يضع فرنسا مع ألمانيا مع إيطاليا مع إسبانيا في مربع واحد. ولا يخفف من وقع الموقف الفرنسي لدى الإدارة الأميركية، ما اشتهرت به باريس على مدى تاريخ علاقتها مع واشنطن. فلقد عاشت باريس ترى نفسها مختلفة عن بقية عواصم القارة، وعاشت ترسم لنفسها ما تراه سياسة مستقلة عما تمشي عليه الولايات المتحدة، وكانت في ذلك ترى أنها ند للولايات المتحدة، وأن ما وراءها من تاريخ، وثقافة، وفنون، وآداب، إنما يؤهلها لذلك ويكفيها.

أما موقف بريطانيا فهو كوم، بينما مواقف بقية عواصم القارة كوم مختلف، لأن ما بين البريطانيين والأميركيين على شاطئي المحيط الأطلنطي، ليس كما بين الولايات المتحدة وأي بلد أوروبي آخر مُطل على المحيط نفسه أو بعيد عن المحيط. فلقد عاشت أميركا ترى أن بريطانيا هي الأقرب إليها في أوروبا، ولم يكن ذلك وليد الأمس القريب، ولا أول من أمس، ولكنه كان ممتداً إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان يسير على هذا الأساس إلى ما قبل عودة ترمب للبيت الأبيض بيوم واحد، فلما عاد وخلط كل الأوراق كما يرى كل متابع، لم تكن الأوراق الأميركية - البريطانية استثناءً!

ولا بد أن الرئيس الأميركي لما سمع أن السير كير ستارمر، رئيس الحكومة البريطانية، يقول عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إنها ليست حرب بلاده، قد صاح صيحة يوليوس قيصر قديماً، ثم راح بينه وبين نفسه يهتف: حتى أنت يا ستارمر!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حتى أنت يا ستارمر حتى أنت يا ستارمر



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش

GMT 18:57 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

شركة جوجل تضيف تحديثًا جديدًا في تطبيقها للخرائط

GMT 23:26 2018 الثلاثاء ,18 أيلول / سبتمبر

جوجل تضيف ميزة التعرف على الأغاني في البحث الصوتي

GMT 10:59 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

عصبة سوس لكرة القدم تتواصل مع 23 فريقًا للمشاركة في كأس العرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib