بقلم : عبد المنعم سعيد
استخدمت تعبير الانتقال «من النهر إلى البحر» فيما يخص التنمية فى مصر مرتين من قبل: الأولى فى الأزمنة القديمة على سبيل الدعوة لأن تتخلص مصر من الأسر التاريخى لنهر النيل الذى جعلها دولة نهرية بامتياز تتمتع بما يعطيه النهر من حضارة، وتنتقل إلى البحرين الأحمر والأبيض المتوسط فتكون دولة بحرية بكل ما يعطيها البحر من آفاق وحضارات. والثانية كانت على سبيل الوصف لمجموعة التوجهات التنموية التى بدأت مع عام 2014 والتى قرأت فيها إشارات إلى أن مصر تسير فى هذا الاتجاه. لم يكن فى كلتا المرتين ما يستنكر علاقة مصر مع النهر الخالد، أو حتى للمشاكسة مع «هيرودوت» عما إذا كانت مصر هبة النيل، أو أن مصر كانت فى الأول والآخر هبة للمصريين، وإنما كانت اختبارا لهذه المقولة الأخيرة فإذا كانت مصر كذلك فإن المصريين قادرون على الخلاص، فلماذا لا يكون ذلك فى اتجاه الشرق حتى البحر وتفريعاته حول سيناء فى خليجى السويس والعقبة؛ أو نحو الشمال والغرب التحاما والتصاقا بما هو ممتد ولا نهائي: البحر؟.
هذه المرة فإن الأمر لم يعد دعوة، ولا وصفا، وإنما قراءة فى واقع ينمو أمام أعيننا وربما آن الأوان للتفكر فيما سوف يترتب عليه من نتائج، وما يدعو إليه من متطلبات. المسألة ببساطة هى أن الأمر كله جديد على مصر، فالدولة النهرية الأولى فى العالم خلقت مدرسة عالمية فى التفكير ـ إيجيبتولوجى يقوم على تأثيرات النهر على المجتمع والأمة والدولة. وبشكل ما فإن تنمية مصر خلال القرنين الأخيرين قامت حول النهر، وتنظيم تدفقه، وتعظيم العائد منه؛ فكانت مشروعات خزان أسوان فى العهد الخديوى ثم الملكي؛ ومن بعدها السد العالى و«توشكى» فى العهد الجمهورى، كلها تدور حول النهر. قصة «الساحل الشمالى» هى جزء مهم من هذا التحول الجديد فى الحياة المصرية وبات علينا المعرفة عما يعنيه ذلك بين الطيبين والأشرار؟