البحث عن الحقيقة

البحث عن الحقيقة!!

المغرب اليوم -

البحث عن الحقيقة

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

الشائع فى الوسط الصحفى أن الصحافة هى «مهنة البحث عن المتاعب» حيث المصاعب الكثيرة التى يجب تخطيها حتى نصل إلى الهدف الأساسى: الحقيقة. وفى الواقع فإن «الحقيقة» تكون كثيرا زائغة خاضعة لهوى الإنسان أو أنها ببساطة لم يتم اكتشافها بعد حتى تأتى الأدوات التى تجعلها تسفر عن نفسها. مثل ذلك يحدث مع الأطباء الذين عليهم استخدام كثير من وسائل القياس من الحرارة إلى الضغط إلى تحاليل واختبارات الدم التى تفصح عن مدى المناعة أو تصرح بانتشار المرض الخبيث. وفى «الحقيقة» فإن الطبيب لا يستشير مريضه عما إذا كان راضيا أم لا عن وجود القرحة التى ينبغى اكتشافها والتعرف على حجمها، وكل ذلك يأتى فى صورة أرقام. وهكذا كان حال الإنسان عندما اكتشف ضرورة أن يكون هناك مقاييس للأمور الهامة فى الحياة حتى يمضى خطوات التقدم التى لا تأتى إلا من خلال زيادة الوعى الرقمى الذى يقدم للابتكار والإبداع والانتقال من حالة بدائية إلى أخرى أكثر تقدما. ومن المعلوم أنه كما هى حالة كل الحقائق فى التاريخ الإنسانى، فإن «الأرقام» عرفت من يناهضها ويتهمها بأنها من الأخبار الزائفة؛ ونقل عن تشرشل مقولة أنه لا يعتقد فى الأرقام إلا تلك التى يزيفها بنفسه؟

مناسبة الحديث عن «الحقيقة» و«الأرقام» هى حالة الانزعاج الصحفى من قيام الحكومة بنشر أرقام مبشرة تفصح عن نتائج عشر سنوات من العمل الشاق ومواجهة الإرهاب والجائحة كان مثمرا لكثير من المطالب فى الاهتمام بالاقتصاد «الحقيقى» المعبر عن الزراعة والصناعة والخدمات؛ والاهتمام بالتعليم والصحة، والاهتمام بالريف وليس فقط المدن الكبرى، وهكذا أمور. الانزعاج جاء من مصدرين أن أرقام الحكومة جاءت فقط لكى يحدث ارتباك رقمى يزيغ العيون بعيدا عن حالة «المواطن» العادى والبسيط الذى يظهر دائما فى صورة فقيرة ومزرية.

الأرقام هنا فى غاية الأهمية حيث يكون التساؤل عما إذا كنا صعدنا أم نزلنا، تقدمنا أم تراجعنا؛ وللأسف أنه لا توجد فى مصر استطلاعات لقياس الرأى العام حيث إن معاداة الأرقام عندما تكون «سعيدة» يأتى التشكيك فورا فى أدوات التواصل الاجتماعى إما بالتشكيك فيها أو أنها طالما لم تسعد كل مواطن فلابد أن فيها خللا ما، ولعبة لصرف الأنظار عن واقع غير حقيقى. الطبيعى فى مثل هذه أن يكون مجال العمل الصحفى اكتشاف الحقيقة والمدى الذى وصلت إليه الأرقام المعلنة.

الأستاذ إبراهيم عيسى المتميز كثيرا بالتحليل والتقييم فى القضايا والأحداث التاريخية والمواجهة الشجاعة للجماعات المتأسلمة؛ وجد أن «مقياس السعادة العالمى» يضع الحالة المصرية فى نصابها حيث كانت مصر واقعة فى المرتبة ١٣٥ من ١٤٠ دولة حيث تحرز «غزة» الجريحة مكانة فى السعادة أكثر تقدما؛ أما إسرائيل فهى فى المقدمة والمكانة الثامنة. الأمر فى هذه الحالة فيها من التربص وإعطاء المقياس أكثر مما يستحقه فى دقة الأرقام ومصداقيتها. وأذكر حضورى لميلاد هذا المقياس حينما عقد مؤتمر على غرار «دافوس» فى الإمارات العربية؛ وجاء نصيبى فى تقسيمات التداول فى القضايا الكبرى بين مجموعة من الباحثين كانت مهمتها البحث عن بديل لمقياس «الناتج المحلى الإجمالي» لتقرير المسافات بين الدول. كان النقد الكبير للمقياس قائما على أنه يغض الطرف عن حالة التوزيع للناتج بين الشرائح الاجتماعية المختلفة. النقد بالطبع كان مشروعا ولكن البدائل ومنها مقياس السعادة والآخر عن الفعالية ومقاييس أخرى تبحث عن الشرعية لم تلق الكثير منها. ما يهمنا هنا هو أن الاعتداد بمثال غزة وإسرائيل فيه الكثير من المغالاة الخاطئة حتى بالنظرة المباشرة لما هو واقع مصر والواقع فى غزة وإسرائيل سوف يدخلنا فى حالات من السادية والماسوشية التى تجعل بشرا ينتشون وهم فى حالة عذاب، ويسعدون بينما يمارسون فى إسرائيل القتل والمحرقة.

الحقيقة هنا كثيرا ما تصطدم بأساليب وأنماط التقدم البشرى والذى هو حالة من التراكم الذى يجرى فى ظروف معقدة أحيانا ومعادية أحيانا أخرى. ما لا يمكن تجاوزه أن العام 2025 كان العام الذى بدأت فيه البلاد الحصول على ثمار ما حدث خلال عقد كامل من التحديات الصعبة. ما يعنيه ذلك أن القصة المصرية مثل الأهرامات التى تبدأ بقاعدة متسعة ثم تصعد بعد ذلك درجة بعد درجة حتى تصل إلى اتساع النظر عند القمة. وجود الثمار لا يعنى أن المحروسة باتت مثل سويسرا أو السويد وإنما يعنى أنها تسلك طريقا للحداثة بينما تنسج رداء للهوية المصرى مستقرا ومتميزا وقابلا لمزيد من التراكم. ارتفاع الأسعار هنا هو قضية وطنية تحتاج الكثير من الاهتمام لدى الدولة والمواطنين لأنه ربما كان التضخم ناجما عن الكثير من الإنفاق العام. ولكن فى كل الأحوال فإن الحديث عن الإحباط والتعاسة والفقر لا يكون إلا بالأرقام التى على الدولة إتاحتها بقانون للمعلومات لا يتأخر بعد أن طال تأخره. ولكن إعلان الحكومة عن العائد من سنوات الكفاح مشروع وواجب وآن الأوان لكى تقوم الصحافة بواجباتها التى تأتى بالمتاعب وكثرتها تصل بنا إلى الحقيقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البحث عن الحقيقة البحث عن الحقيقة



GMT 16:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 16:52 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 16:50 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 16:48 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 16:45 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 16:42 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

GMT 16:37 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إيران والحزام والطريق

GMT 11:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:02 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

المغربي أيوب الكعبي يهز الشباك في الدوري التركي

GMT 06:31 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:19 2017 الأربعاء ,07 حزيران / يونيو

محمد حماقي يحتفل بمولودته الأولى فاطمة

GMT 02:01 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فاطمة ناصرتشارك بفيلم " مصطفي زاد" في مهرجان قرطاج السينمائي

GMT 13:03 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أبراج تمتلك كاريزما وجاذبية أبرزها الأسد

GMT 08:52 2021 الأربعاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير موعد قمة الوداد أمام الرجاء في "الديربي"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib