بقلم : عبد المنعم سعيد
فى هذا المقام يومى الأحد والثلاثاء من الأسبوع الماضى جرت مناقشة عن كل منهما: المواطن والدولة. كان الدافع فض الضباب ورفع الالتباس الشائع عنهما فى النقاش العام فى مصر، والذى بات فيه الكثير من الضوضاء الذى يأتى من أدوات الاتصال الاجتماعية والتى باتت أحيانا وسيلة القياس لعلاقة المواطن بالدولة، أو بين المواطنين فى عمومهم؛ أو بين كليهما والعالم الخارجى.
لا يختلف أحد على أن مصر محاطة بحلقة من نار الحروب الأهلية والإقليمية والدولية التى تخلق بيئة مرهقة بالنسبة لمن وضع لوطنه أهدافا للبناء والتنمية والتقدم إلى الأمام. ولكن ما يجرى عليه الاختلاف فهو كيف نتعامل مع هذا الواقع الذى يعترف به الجميع ولكنه فى نفس الوقت يعتصر من التاريخ أفكارا تكاد توصى بصراع الطبقات الذى كان سائدا الحديث عنه فى ستينيات القرن الماضى.
الفارق أن «الطبقات» تاريخيا كانت تبنى على علاقة الجمهور العام بأدوات الإنتاج التى تفرز العامل عن الرأسمالى؛ وتكون بداية الشرارة هى أن الثانى يحصل على العائد الذى يسببه الأول من عرق جبينه! مثل ذلك الآن لم يعد بمثل الذى كان مع الفصل الذى جرى بين الجانبين نتيجة تطورات تكنولوجية غيرت من البيئة الإنتاجية والحياة الاجتماعية. هذه بدورها باتت تجمعا كبيرا يكون حجر الزاوية فى نقل المجتمعات من حالة التخلف إلى حالة الحداثة والتقدم، ومع كل خطوة تتعد الشرائح الاجتماعية بدرجات كبيرة تجعل التقسيمة التاريخية للتاريخ والثورة خارجة عن نطاق التفكير العلمى.
القضية لدينا لم تعد ما بين العامل والرأسمالى أو بين المشارك بالجهد والمساهم بالمال، وإنما باتت ما بين الفقير والغنى ومن يصيف فى الساحل الطيب وفيه جماعة الستر واليسر؛ والمصيف فى الساحل الشرير حيث يكمن المليارديرية المبتذلون الذين يتعدون الخطوط الحمراء الأخلاقية حتى إنهم يحيون حفلات المرح والغناء والموسيقى. الغريب أن ذلك يجرى بينما الدولة تمشى فى طريقها الذى يضيف الساحل الشمالى إلى مساحة المعمور المصرية مسافة ٥٠٥ كيلومترات من الإسكندرية إلى السلوم على الحدود المصرية الليبية.
الأمر هنا فيه نوع من «الخضة» التى تأتى من مغادرة وادى النيل العتيق إلى سواحل مصر وليس «إيجبت» المطلة على البحرين الأحمر والأبيض تطوف بالدلتا القديمة والجديدة أيضا وتمتد حتى بورسعيد على قمة قناة السويس وبعدها تحتضن سواحل خليجى السويس والعقبة وكلاهما يحتضن شبه جزيرة سيناء فى روعة غير مسبوقة فى التاريخ المصرى تتطلع لمن يدفع نحو التنمية والانتشار الجغرافى. باختصار أن تكون سيناء، ولماذا لا تكون مثل شرم الشيخ الرائعة فى الجنوب؟
العجب هنا أن الانطلاق من «النهر إلى البحر» لا يبدو سارا لكثيرين من النخبة الفكرية المصرية، وفضلا عن جذب الجمهور المصرى الذى يقترب من ١٢٠ مليونا، فضلا عن السائحين واللاجئين؛ وكأنما لا يحلمون إلا بذلك الطريق الأخضر القصير على حافتى النهر الخالد الذى يحيط بجماعة الفقراء!