القصة الإيرانية

القصة الإيرانية

المغرب اليوم -

القصة الإيرانية

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

قبل عام تقريبًا، وفى 7 مايو 2024، نشرت مقالًا فى هذا المقام عنوانه «خمسة وجوه لحرب غزة الخامسة». وكان الوجه الأول دوليًّا يجرى بين الولايات المتحدة القوة العظمى والدولة الإيرانية الثورية الدينية الإسلامية الشيعية، التى منذ ثورتها فى عام 1979 وهى فى حالات من المناكفة والمواجهة مع القوة الأولى. الموضوع الأساسى بين القوتين هو تقييد قدرة إيران على امتلاك السلاح النووى، الذى بدأ باتفاق واشنطن مع خمس دول أخرى عام 2015 مع إيران على المقايضة بين توقف طهران عن الحصول على السلاح مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها. فى مايو 2018 قامت إدارة الرئيس ترامب الأولى بالانسحاب من الاتفاق، معلنة المواجهة مع إيران، التى بدأت هى الأخرى فى تجهيز نوع من «الدفاع المتقدم» أخذ شكل إنشاء «ميليشيات» هجومية مسلحة تسليحًا جيدًا، هى قوات الحشد الشعبى فى العراق، وحزب الله فى لبنان، وقوات الحرس الثورى الإيرانى فى سوريا، والحوثيون فى اليمن وحماس والجهاد الإسلامى فى فلسطين. هذه القوات قامت بأدوار لمواجهة الوجود الأمريكى فى المنطقة وفى الخليج، ولم تجد معضلة فى توجيه ضربات إلى دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وُلد تحالف إقليمى «المقاومة والممانعة»، وعندما بدا أن واشنطن على استعداد للتوسع فى «السلام الإبراهيمى» من خلال السلام والتطبيع بين المملكة العربية السعودية مع إسرائيل مقابل حل القضية الفلسطينية واتفاق أمنى ومفاعل نووى مع الولايات المتحدة؛ فإن وقف كل ذلك كان بإشعال حرب فى 7 أكتوبر 2023.

الإدارة الثانية لترامب أتت إلى البيت الأبيض بهذا الميراث؛ ومن ثَمَّ كانت خطاباته الحادة تجاه إيران والتهديد لها بأنواع من «الجحيم» لم تعرفها من قبل. نجاح ترامب فى الانتخابات الرئاسية جعله يندفع فى تقديم أنواع جديدة من التلويح باستخدام القوة العسكرية على طهران؛ ومما زاد الجرعة أن ترامب بعد توليه السلطة وجد نفسه فى مواجهة مع إيران من خلال الاشتباك العسكرى البحرى مع فصائل «الحوثيين»، الذين واصلوا قصف حاملتى الطائرات الأمريكية، وواصل ترامب قصف الأهداف المدنية فى المدن اليمنية بما فيها العاصمة صنعاء. ولكن هذه الحالة من الاشتعال لم تمنع محاولتين للاقتراب الأمريكى من القيادة الإيرانية؛ الأولى جاءت بعد تولى ترامب السلطة مباشرة عندما اجتمع «إيلون ماسك»، صديق ترامب، صفيه، وزير لجنة الكفاءة الحكومية، مع رئيس الوفد الإيرانى فى الأمم المتحدة، السفير أمير سعيد إيرفانى. لم يفصح أحد عما جرى فى الاجتماع، ولكنه كان مقدمة لمسار آخر للعلاقات الأمريكية الإيرانية الملتهبة بتصريحات ترامب المشتعلة ورد إيران عليها بما لا يقل سخونة. المسار أخذ شكل رسالة قيل عنها إنها رقيقة من ترامب إلى المرشد العام الإيرانى للثورة، على خامنئى؛ وكان الخطاب هو أول الطريق إلى مسقط، حيث انعقد أول اجتماع للطرفين يوم السبت 18 إبريل الجارى.

الطريق إلى مسقط بين واشنطن وطهران سار، بينما كانت الاشتباكات «الحوثية» الأمريكية جارية فى البحر الأحمر؛ ورغم استمرار القيادات الإيرانية فى التأكيد على أن أصل البلاء يعود إلى العدوان الإسرائيلى فى غزة، فإنها سرعان ما أعلنت عن سحب الخبراء الإيرانيين بعيدًا عن اليمن، معلنة عن استقلالية القرار الحوثى. من ناحية أخرى، وفى اتجاه موازٍ للحركة الإيرانية، فإن واشنطن أخذت هى الأخرى تجيز مسافة بينها وبين إسرائيل. وحدث ذلك عندما قام ترامب باستدعاء رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى واشنطن؛ ورفض إلغاء الرسوم الجمركية الموقعة على إسرائيل، وقدرها 17٪، منوهًا بما يحدث من عجز فى الميزان التجارى بين البلدين قدره 8 مليارات دولار لصالح إسرائيل رغم أنها تحصل على 4 مليارات دولار معونة من واشنطن. وبينما كان نتنياهو فى واشنطن فإن ترامب تحدث مع القمة الثلاثية المنعقدة فى القاهرة- مصر وفرنسا والأردن- عن السعى لوقف إطلاق النار فى غزة. لم يكن فى ذلك ما يسعد نتنياهو؛ خاصة مع تنويه ترامب بأن نتنياهو لم ينجح فى إنهاء الحرب الذى طلب إنهاءها قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لا توجد إشارة هنا إلى وجود فجوة استراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما المعروض هو أن هناك نظرة «ترامبية» لمصالح الولايات المتحدة وما تلقيه إسرائيل على واشنطن من أعباء. الموضوعات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران ثلاثة: أولها احتمالات إنتاج السلاح النووى من قِبَل إيران- الذى أخذًا فى الاعتبار بعلاقات إيران مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية- فإنه يعيد التقدير لإنشاء محور عالمى جديد لمواجهة الولايات المتحدة. هذا الإنتاج ممكن لأن إيران أقامت بالفعل البنية الأساسية لإنتاج السلاح النووى، بما فيها القدرة على تخصيب اليورانيوم لكى يكون كافيًا لإنتاج الرؤوس النووية؛ وهو أمر لا تتحمله إسرائيل، ومن ثَمَّ سوف تشعل المنطقة كلها بسباق التسلح، فضلًا عن حرب إزالة للسلاح تشعل المنطقة كلها. وثانيها أن إيران باتت تعانى أزمة اقتصادية طاحنة نتيجة أن مواردها البترولية تذهب فى كثير منها إلى الصين بتخفيض قدره 25٪، فضلًا عن تمويل أركان حلف المقاومة والممانعة. العقوبات الاقتصادية التى فرضتها الولايات المتحدة ضغطت على إيران بما فيه الكفاية، خاصة أن كثيرًا من مواردها باتت محتبسة فى البنوك الأمريكية، خاصة صفقة شراء 100 طائرة من شركة «بوينج»، حيث حصلت على 30 مليار دولار دون أن تصل إليها طائرة واحدة. وباختصار، فإن إيران باتت تعيش توقًا إلى استرداد عافيتها الاقتصادية؛ وبعد الهزائم التى تلقتها ميليشيات «المقاومة والممانعة» فى غزة ولبنان وسوريا؛ والضعف الذى انتاب قوات الحرس الثورى الإيرانى وتوابعه فى إيران والعراق، فإن إيران باتت فى حاجة ماسّة إلى التهدئة.

السعى نحو التهدئة أمر، وحدوث ذلك فعليًّا فى زمن حرب أمر آخر. ورغم المسافة التى خلقها ترامب مع إسرائيل، فإنه لا يريد فقط أن تخرج إسرائيل من الحرب متماسكة وواثقة من نفسها، بحيث تكون قادرة على السير قدمًا على طريق السلام الإبراهيمى، الذى سوف تبدأ حروفه الأولى مع زيارة ترامب إلى السعودية والإمارات وقطر فى شهر مايو القادم. المزج بين الدبلوماسية وسياسات القوة جعل الولايات المتحدة تدفع بقوات بحرية إضافية فى البحر الأحمر، وبطائرات B-2 إلى قاعدة دييجو جارسيا فى البحر الأحمر. وفى المقابل فإن إيران سربت الأنباء التى تقضى بامتلاك إيران صواريخ تصل إلى جميع جزر القواعد الأمريكية؛ وفى قدراتها- كما يشيع- أن ترسل سفنًا محملة بالطائرات المسيرة إلى المحيط لكى يجرى إطلاقها على القواعد الأمريكية. المنطقة هكذا لم تخرج من الحالة العسكرية الساخنة، ورغم أن لقاء مسقط كان إيجابيًّا وبَنّاءً؛ فإن الملف الغائب الحاضر هو أزمة الشرق الأوسط الواقعة فى بركان غزة والشراهة الإسرائيلية التى لا تشبع من القتل والتدمير. وللحق، فإن مواجهة ذلك لا تكفيه خطوات على الجبهة الإيرانية، وإنما تدفق مشروع أمن إقليمى لإخراج الإقليم من أزماته!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القصة الإيرانية القصة الإيرانية



GMT 08:52 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

كتاب المسؤولية يقول

GMT 00:19 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 00:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

قصتى مع الكتب!

GMT 00:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مرة أخرى: المسئولية الإقليمية لمصر !

GMT 00:13 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 00:12 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مجنون أفريقيا الرهيب

GMT 00:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 00:10 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:59 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

جزيرة Bora Bora بورا بورا الفرنسية الأهدى لقضاء شهرالعسل

GMT 09:17 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خطوات ديكور سهلة لتزيين جدران المنزل

GMT 00:06 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

صابر الرباعي يعرب عن استيائه من "تفجير تونس"

GMT 19:13 2015 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

انطلاق أولى حلقات مسلسل "انتقام" على "mbc مصر"

GMT 05:46 2020 السبت ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة لوكا يوفيتش مهاجم فريق ريال مدريد بوباء "كورونا"

GMT 18:25 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

جامعة أم الألعاب تتواصل مع الروابط والأندية

GMT 02:31 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

زاهي حواس يكشف حقيقة ما يُسمى بالزئبق الأحمر "
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib