تركيب الدولة العربية وتفكيكها

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

المغرب اليوم -

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

كان أستاذ العلاقات الدولية جيمس روزناو هو الذي لخّص حال العالم بعد انتهاء الحرب الباردة بأنه سوف يكون قائماً على نوعين من المتغيرات، كلاهما قائم على الظاهرة القائمة: «العولمة». أولها يقوم على تركيب الكيانات السياسية للدول في داخلها وخارجها، فمن خلال الثورة الاتصالية القائمة فإن قدرة الثقافة القائدة على تحقيق الاندماج تجعل الدولة جذابة وقادرة على تركيب الجماعات المختلفة في كيان سياسي واحد. وخارجها، والمثال التاريخي على ذلك هو «الاتحاد الأوروبي» الذي جمع 27 دولة أوروبية في وحدة وظيفية واحدة. وثانيها أن ذات القوى التكنولوجية الموحدة يمكنها لعب أدوار عكسية عندما تتحكم في جماعات فرعية وتجعل الروابط والهوية داخلها أكبر من تلك التي تربطها بالدولة ذات السيادة على الإقليم الذي يشملها. وتشير مظاهر عدة إلى وجود مشكلة تتعلق بالهوية الوطنية ومستوى التماسك الوطني في أغلب الدول العربية والإسلامية، ويمكن تصنيفها على أساس المدى الذي تقدر فيه «الهوية الوطنية» على السيادة في دولتها.

ولكن ذلك تجري مقاومته من الهوية «تحت الوطنية»، وتشمل جميع أشكال الانتماء الأضيق نطاقاً من مستوى الدولة الوطنية، والتي قد تكون قبلية أو طائفية أو عرقية أو جهوية أو مذهبية، وتكون بعيدة عن تعريف الذات السياسية مع حدود الدولة الوطنية صاحبة السيادة. وعلى العكس من ذلك، فإن الهوية «فوق الوطنية» تشمل جميع أشكال الانتماء الأوسع نطاقاً من الدولة الوطنية، والتي تطمح لتكوين كيانات سياسية أكبر من الدولة لكي تكون جزءاً من الهوية العربية أو الإسلامية. وحتى في المجتمعات التي كانت قد حققت، طوعاً أو قسراً، تقدماً في اتجاه ترسيخ الحداثة الغربية و«العولمة» فإن هناك حالة دائمة من الجدل، وأحياناً الصراع، بين المستويات المختلفة للهوية. وفي العالم العربي فإن الهويتين العربية والإسلامية تمثلان أهم منافسي الهوية الوطنية في هذا المجال.

ما عُرف بـ«الربيع العربي» أحدث زلزالاً كبيراً في منطقتنا العربية والشرق الأوسط بشكل عام، وشكّل خللاً شاملاً في توازنات القوى أدى إلى زيادة جرعة الأطماع الإقليمية والدولية في المنطقة والتي تبدّت أحياناً في الاحتلال المباشر أو إقامة المستوطنات أو الاعتداءات المتعددة على السيادات الوطنية للدول، أو بتشكيل ميليشيات عسكرية تضع نفسها بديلاً للدولة. وعلى مدى سنوات العقد الثاني ونصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين عاش العالم العربي بين ثلاثة توجهات تتراوح ما بين الفوضى المطلقة التي تناطحت فيها تيارات مذهبية وإثنية وعشائرية في اتجاهات إرهابية وحروب أهلية؛ وهيمنة تيارات دينية بعينها وصلت إلى كراسي الحكم في بلاد، وخلقت «داعش» في منطقة على الحدود السورية - العراقية؛ وبين توجه إصلاحي انتشر في الدول الملكية التي نجت من جلجلة «الربيع» المزعوم، ولم يلبث أن تبنته دول عربية مهمة مثل مصر. هذا التوجه قائم على أعمدة الدولة الوطنية، والتحديث الشامل لإقليم الدولة سواء من خلال بنية أساسية قوية توطد التفاعلات بين أركان الوطن الواحد ببناء قواعد إنتاجية جديدة أو تجديد الفكر الديني حتى يتلازم مع العصر والتقدم. وهكذا أصبح واقع الشرق الأوسط يتجسد في أمرين: الأول، أن الإقليم مقسم بين الإصلاحيين الذين يريدون السلام والاستقرار اللذين هما شرطان للتنمية، وأولئك الذين يعارضون السلام والاستقرار بسبب التاريخ أو الدين أو عدم الرغبة أو وجود المصلحة في التنمية. والثاني، أن هناك حرباً صريحة أو ضمنية تجري بين الطرفين اللذين بات عليهما التعامل مع العالم من منطلقات مختلفة.

ومن بين 22 دولة عربية عضواً في جامعة الدول العربية، فإن 12 دولة منها استقرت على هوية وطنية تشكلت على المصالح والتاريخ في اتجاه الاستقلال ومشروع وطني للتقدم له سمات حداثية ودستورية وقدرة السيطرة على إقليم الدولة. هذه الدول تشمل دول الخليج العربية الست، والأردن والمغرب، والجزائر وتونس ومصر ونسبياً العراق؛ وفي المقابل توجد 10 دول تعيش أزمة في الهوية وعجزاً عن الحفاظ على الاستقلال، وتفككاً داخلياً يجعلها لا تستطيع تقديم مشروع وطني للبناء والحداثة والتقدم. هذه الدول هي سوريا ولبنان وفلسطين واليمن والسودان والصومال؛ وفيما عدا ذلك توجد دول أخرى تقع بين الحالتين. «الهوية» تظل هي العنصر الحاكم في السعي نحو الاستقرار، ولكنها وحدها ليست كافية وإنما يضاف إليها حال النخبة الاستراتيجية المقبلة على الحكم وإدارة الدولة، والمدى الذي وصلت إليه الدولة من معرفة للتقدم التكنولوجي والسعي نحو الحداثة وليس الحصول على الاستقلال. الدولة الوطنية هي التي تخلق مجمع الهوية الوطنية من التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة التي يقع في مقدمتها اختراق إقليم الدولة وتعبئة مواردها الطبيعية والبشرية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تركيب الدولة العربية وتفكيكها تركيب الدولة العربية وتفكيكها



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 21:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:27 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 02:35 2020 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

إعدام 1.6 طن من الفئران في الصين خوفًا من "كورونا"

GMT 02:38 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

حل المشاكل الزوجية يحمي الأسر من التفكُّك

GMT 20:11 2018 الإثنين ,27 آب / أغسطس

خاصية جديدة من "فيسبوك" للمستخدمين

GMT 16:21 2014 الأحد ,27 تموز / يوليو

التشويق سبب أساسي في نجاح مسلسل "الصياد"

GMT 01:40 2024 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

جيمي كاراجر يكشف تأجيل تقديم عرض رسمي لمحمد صلاح مع ليفربول

GMT 16:01 2024 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أقراط ذهب لإطلالة جذابة في خريف 2024
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib