تشرشل أو تشامبرلين

تشرشل أو تشامبرلين

المغرب اليوم -

تشرشل أو تشامبرلين

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

سوف يحتار المؤرخون كثيراً عندما يقتربون من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. مصدر الحيرة أن تصرفاته السياسية وكلماته القاطعة هي التي تشغل المهتمين بمساره في إدارة أميركا والعالم. أحياناً يمكن التخلص من الحيرة من خلال نماذج صافية في نقائها، وقاطعة في تصرفاتها، ومن هذه النماذج الشائعة كان ونستون تشرشل - السياسي ورئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية - ونيفيل تشامبرلين السياسي أيضاً ورئيس الوزراء البريطاني قبل الحرب. الأول كانت له وجهة نظر جامعة تجاه صعود النازية في أوروبا، وهي أن كبح جماحها لن يكون إلا من خلال القوة التي تحقق تراجعها وتهزمها في ميدان القتال. والثاني قامت وجهة نظره على أنه من الممكن ترويض الطموح النازي من خلال سياسة «الاسترضاء» أو «Appeasement» عن طريق تنازلات تفيد كثيراً في الدفع بعيداً بضحايا وخسائر الحروب. ترمب في الواقع هو خليط منهما، فهو مَن طرح دائماً «السياسة من خلال القوة»، ولكنه كرر في معظم الأوقات رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام بالترويج لاستراتيجية الصفقات. الرجل أعلن خلال الأشهر الأولى من ولايته الثانية أنه نجح في تحقيق السلام في ثمانية صراعات دولية. ورغم الشكوك حول حقيقة الرقم فإنه فيما يخصنا في الشرق الأوسط، فإنه نجح في تحقيق ما سمي «السلام الإبراهيمي» خلال ولايته الأولى؛ والآن فإنه حجر الزاوية في «عملية السلام» التي أطلقها في مؤتمر شرم الشيخ في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 من خلال مبادرة مكونة من 20 نقطة لا تزال ملتصقة بنقطتها الأولى الخاصة بتحقيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، بينما الدبلوماسية تدفع في اتجاه المحافظة على الخطوة، والانتقال منها إلى الخطوة الثانية التي تشمل تخلي «حماس» عن سلاحها.

خلال حملته الانتخابية الرئاسية، قدم ترمب وعوداً للشعب الأميركي بأنه سوف يحقق السلام في أوكرانيا خلال 24 ساعة من دخول البيت الأبيض، وبعد مكالمة هاتفية مع الرئيس بوتين!

ترمب كان يعول كثيراً على ما عدّها علاقة خاصة مع الرئيس الروسي، وضعف الموقف العسكري الأوكراني المتزايد على جبهات القتال، والحاجة الماسة لأسلحة تصل إلى الأراضي الروسية تمكّن كييف من دخول المفاوضات من موقف متوازن. كان ترمب قد أقام تصوراته التفاوضية على مقترحات هنري كيسنجر عند نشوب الحرب، بأن تكون التسوية قائمة على ضم المناطق الناطقة بالروسية في إقليم دونباس إلى روسيا مقابل إنهاء الحرب التي لن يُسمَح بعدها بانضمام أوكرانيا إلى حلف «الأطلسي». حصل هذا التوجه في مناطق أخرى من العالم، مثل الشرق الأوسط، حيث أن الرغبة «الترمبية» في إقامة السلام تراعي الطرف الأكثر قوة ورغبة في استمرار القتال، سواء كان هذا الطرف هو إسرائيل أو روسيا.

التلويح الذي قدمه ترمب بمد أوكرانيا بصواريخ طويلة المدى، وإن لم ينجزه، فإنه أسهم في قبول بوتين بإمكانات التفاوض مع أوكرانيا، وصاحبها بقائمة من المطالب التي لا تكتفي بضم الأراضي في إقليم دونباس التي ما زالت تحت سيطرة أوكرانيا، وإنما مضافاً إليها مطالب بإجراء تغييرات جوهرية داخل أوكرانيا ذاتها، مثل تعليم اللغة الروسية في المدارس الأوكرانية، وتخفيض القدرة الدفاعية الأوكرانية إلى 600 ألف جندي. لم يعارض ترمب أيضاً ممانعة بوتين لدخول أوكرانيا حلف «الأطلسي».

معادلة ترمب التي يطرحها في شرق أوروبا لا تختلف كثيراً عن معادلته في الشرق الأوسط، ومن اللافت للنظر أنه يوحدهما معاً من خلال طاقم الوساطة الذي يضم رجلين للأعمال، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، واللذين يستندان إلى الرئيس الأميركي. المفاوضات تركز على هدف بعيد، قوامه أنه من الممكن تحقيق ليس فقط وقف إطلاق النار، وإنما إقامة السلام على أساس استعداد الأضعف لتقديم التنازلات إلى الأقوى؛ أوكرانيا إلى روسيا، و«حماس» إلى إسرائيل. وفي الواقع فإن نموذجاً مختلطاً من تشرشل وتشامبرلين يواجه تعقيدات بعضها يتعلق بالحاضر، وأكثرها وارد في المستقبل. والسبب في ذلك أن هناك مصالح أميركية كبيرة للغاية في أوروبا بوصفها حليفاً في حلف «الأطلسي»، وسوقاً اقتصادية عظيمة ازدادت عظمة منذ مشروع مارشال الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية حتى الآن. روسيا ليست دولة وسوقاً كبيرة وغنية بالموارد الطبيعية فقط، ولكنها قوة نووية عظمى، ومَن يقرأ تصرفات ترمب وما يقوله نجد رغبة في ثلاثية عالمية حاكمة، تشمل أميركا والصين وروسيا. وفي الشرق الأوسط فإن المصالح الأميركية المتزايدة في الخليج تنافس المصالح الأميركية التاريخية مع إسرائيل. ملامح نموذج ترمب الاستراتيجي سوف تحتاج مزيداً من الدراسة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشرشل أو تشامبرلين تشرشل أو تشامبرلين



GMT 18:26 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

يوم النصر الكبير

GMT 18:23 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التأمُّل في المسألة العوضية

GMT 18:18 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

الحرب... ونفوسنا المصابة بالخَدَر

GMT 18:15 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

GMT 18:12 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

جنازة شعبية فى زمن «المحمول»

GMT 18:09 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

المفاوضات والمساومات في حرب «هرمز»

GMT 18:06 2026 الأحد ,10 أيار / مايو

السياحة قصة أكبر

شيرين عبد الوهاب تستعيد بريقها بالأحمر في ظهور جديد يعكس الثقة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 18:39 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 18:29 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 12:57 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس السبت 26-9-2020

GMT 17:04 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 18:57 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 19:37 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

بكتيريا الأمعاء تهدد الصحة العقلية

GMT 11:00 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

سعد سمير يهنئ عمر جابر بمولوده الجديد

GMT 16:25 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مجموعة صناعة الطيران الإسبانية "أسيتوري" تستقر في المغرب

GMT 14:57 2020 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ليلى علوي تنعي وفاة زوجها السابق منصور الجمال

GMT 11:31 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

سعد لمجرد يدخل باب "الدراما" عبر "كارت أخطر"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib