الداخل والخارج في المسألة المصرية

الداخل والخارج في المسألة المصرية

المغرب اليوم -

الداخل والخارج في المسألة المصرية

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

فى العلوم السياسية، يوجد مبحث خاص «Linkage Politics» بالعلاقة بين ما هو داخل الدولة من تفاعلات سياسية واقتصادية، والخارج وما فيه من تهديدات للأمن القومى. وفيما يتعلق بمصر، فإن هذه العلاقة لم تكن سهلة ولا سلسة لأسباب كثيرة. وقد مر على مصر عقد كامل منذ بدأت برنامجها الوطنى الحالى فى منتصف العقد الماضى. وبقدر ما حققته مصر من إنجازات خلال هذه الفترة بداية من استيعاب قرابة عشرين مليون نسمة إضافية إلى الترقية العظمى للبنية الأساسية المصرية وبناء قاعدة علمية من خلال جامعات جديدة وعصرية علميًا وتكنولوجيًا، وانتشار الديمجرافيا المصرية فى ضعف مساحة المعمور المصرى فى جغرافيا الدولة من نهر النيل إلى البحرين الأحمر والأبيض، وحل مشكلات جوهرية مثل العشوائيات من خلال مدن جديدة ذكية. حدث ذلك كله بينما واجهت مصر الإرهاب بكافة أشكاله، ومن بعده جائحة كورونا، وما إن استعدت مصر للانتعاش بعدها إذا بها تواجه حرب روسيا-أوكرانيا ومن بعدها حرب غزة الخامسة. لم يكن النظام الدولى ولا الإقليمى ساكنًا خلال هذه الفترة، كما أن تطبيق رؤية مصر 2030 واجه تعثرات عدة، ورغم كل ذلك، عقدت مصر حوارًا واسعًا بين القوى الوطنية خلال العام 2023 انتهى بانتخابات رئاسية أسفرت عن التفاف شعبى حول القيادة السياسية للرئيس عبد الفتاح السيسى.

خلال هذه الفترة ركزت مصر كثيرًا على عملية البناء الداخلى وحققت فيها نموًا إيجابيًا رغم الظروف المعاكسة التى جرت الإشارة إليها. ونجحت فى تجنب التورط فى صراعات خارجية، وعلى العكس، أدخلت إلى المنطقة مفاهيم مثل «الدولة الوطنية» و«التعاون الإقليمي» الذى أخذ أشكالًا غير معتادة مثل منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط. فى أزمة غزة الراهنة، حققت الإدارة المصرية الرشيدة نجاحًا كبيرًا فى منع التهجير القسرى للفلسطينيين إلى سيناء؛ وفى عقد مؤتمر للسلام فى وقت الحرب، خرج منه بيان للدول العربية التسع ممثلة بدول مجلس التعاون الخليجى الست، وكل من مصر والأردن والمغرب. هذه الدول يجمعها ثلاثة أمور: أولها أنها دول اختارت طريق الإصلاح والتنمية باعتبارهما الطريق الاستراتيجى للتقدم. ثانيها أن هذه الدول فى هذا الإطار الإصلاحى تسعى إلى تحقيق الاستقرار الإقليمى حتى توفر الظروف الملائمة للاستثمار والسياحة والاستفادة من أوضاعها الجيوسياسية. ثالثها أن ستة منها وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل، أو أنها تسعى لإقامة علاقات طبيعية معها علنًا (السعودية) أو سرًا (قطر وعمان). مثل بيان الدول التسع، أول معالجة شاملة للأزمة، وتطور بعد ذلك إلى مبادرة مصرية شاملة أصبحت تقريبًا هى الأساس للمبادرات الدبلوماسية سواء من قبل الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية.

على الجانب الآخر مما سبق، فإن حرب غزة لا تزال مستعرة، كما أن إسرائيل لم تصرف النظر عن سعيها نحو تهجير الفلسطينيين كرهًا أو طوعًا، مما يجعل التهديد للأمن القومى المصرى قائمًا. ومن ناحية أخرى، فإن الحرب لا تزال تهدد بالتصعيد البادى على الجبهات السورية واللبنانية، أضيف إلى ذلك ما قامت به جماعة الحوثيين فى اليمن من تهديد الملاحة والتجارة الدولية فى البحر الأحمر المؤدى إلى قناة السويس. ورغم تدخل الولايات المتحدة مع عدد من الدول الأخرى والاشتباك العسكرى مع الحوثيين ثم انسحابها بعد ذلك، فإن هذه الأخطار لا تزال قائمة. هذا التهديد للأمن القومى المصرى يقود إلى ضرورة مضاعفة الجهد من أجل الدفاع عن المصالح المصرية العليا؛ والبداية فيه هى الاستمرار فى البرنامج الحالى لمضاعفة عناصر القوة المصرية. حاليًا، نجحت مصر فى العبور من أزمة اقتصادية كبيرة، ولكن ذلك لن يغنى عن السعى نحو الوصول إلى حل للأزمة الجارية المستعصية.

السبيل إلى ذلك بدأ بانعقاد مؤتمر حل الدولتين باعتباره مدخلًا للتعامل مع الواقع الصعب الذى بات منذرًا للإقليم والعالم. للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، قدمت الدول العربية المشاركة بيانًا متكاملًا عن حل الدولتين، حيث كان التركيز على الحق المشروع لإقامة الدولة الفلسطينية، بينما لم يُجر التعرض للدولة الأخرى - إسرائيل - ومخاوفها. هذه المرة، تعرض البيان العربى لقضية «اليوم التالي» وعما إذا كان سيكون مثل «اليوم السابق» من سيطرة حماس على قطاع غزة، وهى التى خرجت على السلطة الوطنية الفلسطينية. البيان كان صريحًا بأنه لا يمكن لغزة القادمة إلا أن تكون محكومة بسلطة إدارية محددة من قبل السلطة الوطنية، مع نزع سلاح حماس، وتوحيدها مع الضفة الغربية فى دولة منزوعة السلاح. القضية التى تقف الآن أمام الواجبات العربية هى كيفية الانتقال إلى هذه اللحظة من التغيير، وموقف حماس هو إبقاء الأمور على ما هى عليه فى غزة من استمرار احتجاز الرهائن واستمرار حمل السلاح، وهو ما يعنى استمرار الحرب والمعاناة القاسية، قتلًا ومجاعةً لشعب غزة. نزع الشرعية العربية عن حماس خطوة لا غنى عنها، ودفع السلطة الوطنية الفلسطينية إلى تجديد ذاتها بعناصر تضم أجيالًا فلسطينية جديدة ومستعدة لقيام دولة فلسطينية حديثة وقادرة على استغلال اللحظة الراهنة من التعاطف العالمى مع القضية الفلسطينية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الداخل والخارج في المسألة المصرية الداخل والخارج في المسألة المصرية



GMT 13:18 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

عوّاد

GMT 13:18 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

العراق والميليشيات الولائية

GMT 13:17 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

الماءُ والرُّوَّاد

GMT 13:13 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 04:05 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 06:16 2025 الإثنين ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 03 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

GMT 20:58 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تفتقد الحماسة والقدرة على المتابعة

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية العام فرصاً جديدة لشراكة محتملة

GMT 07:23 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

خط "بيربري" الأسود على الجسم صيحة الإكسسوارات الجديدة

GMT 15:00 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

بوتاس يتوج بلقب سباق فورمولا-1 في أذربيجان

GMT 19:54 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

شيرين رضا تخطف الأنظار في ختام مهرجان "القاهرة السينمائي"

GMT 04:32 2018 السبت ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

علماء الآثار في الكويت يعلنون اكتشاف مذهل في موقع "بحرة 1"

GMT 19:50 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الفيلم الروائي "وأنا رايحة السينما" يعرض لأول مرة في "زاوية"

GMT 07:36 2017 الإثنين ,22 أيار / مايو

انهاء مهام مسئول أمني كبير في ولاية أمن طنجة

GMT 16:15 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

ياسمين صبري مذيعة لأول مرة في بودكاست Big Time

GMT 14:52 2023 الخميس ,03 آب / أغسطس

نصائح مهمة لتجنب مضاعفات مرض السكري
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib