العقارات والتصنيع

العقارات والتصنيع!

المغرب اليوم -

العقارات والتصنيع

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

كلما طرح مشروع لبناء مدن وأحياء جديدة، انتفضت جماعة منا سواء كان ذلك من الدولة أو من الاستثمار الخارجى أو الداخلى من القطاع الخاص المصرى فإنها تصمم على أن ذلك ليس من «فقه الأولويات» التى تبنى «العقارات» ولا تهتم لا بالصناعة ولا التعليم، والأول يكفل التشغيل وبالتالى يضمن المعرفة. فى معظم الأحوال فإن الطارح لا يبحث عما إذا كان هناك تقصير فى أى من هذه المجالات؛

وعما إذا كانت هناك أو لا نهضة فى بناء المدارس والجامعات، والمدن والمشروعات الصناعية. المسألة تطرح كما لو كان هناك من يتمتعون ببلاهة نادرة حتى لا يعرفوا ما يجب عمله فى دولة تعيش حالة من التنمية الشاملة لكل هذه المجالات فى وقت واحد؛ وأن أيا منها لا يعنى بالضرورة نفى الآخر. المدن الجديدة والقديمة لم تولد لكى توقف الصناعة والزراعة وبناء المدارس، وإنما هى فى معظم الأحوال شاملة لكل ذلك. وفى مصر فإن ذلك جرى من خلال أجيال من المدن «الجديدة» عندما دخلت إلى الخرائط المصرية مدن «العاشر من رمضان» والسادس من أكتوبر «والخامس عشر من مايو» وغيرها التى ولدت خلال السبعينيات من القرن الماضى. خلال العقود التالية تضاعفت هذه المدن وفيها جميعها كانت الصناعة والخدمات والجامعات حتى وصلنا إلى المرحلة الحالية التى ارتجت لها الأكوان كلها عندما طرحت مدينة «سباين» وقبلها «رأس الحكمة»؛ وما بين هذه وتلك نمت عشرات المدن ومعها ارتفع عدد سكان مصر من 40 مليون نسمة إلى 110 ملايين من الزراع والصناع والطلبة فى كل الأوقات والأزمنة.

التنوع فى الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية كان هو المزاج العام المصرى فى التنمية والتقدم والحداثة؛ وكان أهم ما فيها أن المصريين انتشروا من نهر النيل المقدس الذى عاشوا فى أحضانه لسبعة آلاف عام فإنهم خلال عشرة سنوات وصلوا إلى سواحل مصر واخضعوا معهم الصحراوات بمدن جديدة. وفى كل موجة من موجات الانتقال كانت الشكوى السارية مثل ذات الشكوى من آخر المدن؛ وبات تعبير مدن «الأشباح» هو الذائع وكأن المدن تحمل أبنائها معها وليس من خلال الطلب عليها من بين هؤلاء الذين ضاق بهم العيش أو المساحة أو الغذاء. فى كل بلدان العالم فإن «التنمية الحضرية» هى التى قادت عملية التوسع البشرى ودفعت الأمريكيين من المحيط الأطلنطى عبر قارة كاملة إلى المحيط الباسفيكى. التجربة المصرية خلال العقد الأخير أدركت أن الخروج من النهر هو الخطوة التاريخية الكبرى لانتهاز الفرص التى تقدمها الجغرافيا لأبنائها. وبقدر ما كانت الثورة الزراعية، ربما الأولى من نوعها فى العالم، هى التى لصقت المصريين بالنيل بما له من ماء وقداسة؛ ولكن المصريون المعاصرون أدركوا أن لكل مجرى شاطئان، ولكل قناة ضفتان، وخليج ساحلان. وفى أمة جُبِلت على البناء فإن بناء المدن يكون دائما طريقهم إلى الخلاص. فى كتابات أخرى أشرت إلى الانتقال من النهر إلى البحر كان من أهم الخطوات التاريخية للمصريين المعاصرين حيث كان ذلك ليس فقط من زيادة رقعة المعمور المصرى وإنما أكثر من ذلك إقامة الحضارة على حساب البداوة.


قسمة الناتج المحلى الإجمالى المصرى لها نوع من الثبات الملحوظ حيث نصيب الزراعة 16.7٪ والصناعة 16.2٪ وكلتاهما يتجاوز 32٪ أو قرابة الثلث سواء جاءت مدينة أو خرجت. الصادرات من كلتيهما استمرت فى حالة من الارتفاع المستمر خلال السنوات الأخيرة فقد ارتفعت الصادرات الصناعية فى إجمالى الصادرات من 45٪ عام 2019 إلى أكثر من 52٪ فى عام 2024. العام المالى 2024/2025 شهد تحسنا ملحوظا فى الاقتصاد المصرى عامة بما فيها النشاط الصناعى الذى حقق معدل نمو موجب بلغ 14.68٪، ونتيجة الدعم الذى حصل عليه من إجراءات الإفراج الجمركى عن المواد الخام والأولية بما ساهم فى استعادة الطاقة الإنتاجية للمصانع وهو ما تجلى فى الأداء القوى خلال الربع الرابع من العام المالى حيث بلغ معدل النمو 18.81٪.

الخلاصة هى أن مصر ليست «بلد عقارات» كما يجرى وسمها خالية من الدور فى التطور المصرى العام على حساب قطاعات أخرى أكثر أهمية مثل الصناعة والتعليم كما يؤكد القائلون الذين لا يتابعون ما يحدث فى كافة القطاعات الأخرى اللازمة للتقدم المصرى فى عمومه. الأمر يتطلب المزيد من النشاط الفكرى والقليل من الكسل واستعجال الحكم على مسارات التطور فى مصر التى تسير فى اتجاهات واسعة. القفزة الواسعة فى المشروعات الحضرية التى تنتشر الآن فى ربوع مصر وسواحلها، وهى ذاتها التى تستوعب الزيادة السكانية من ناحية ولكن أيضا الجوار مع المشروعات الزراعية والصناعية خاصة التحويلية التى زادت مساهمتها فى نمو الناتج المحلى فى مجالات صناعات معدات النقل والمركبات والملابس الجاهزة والمشروبات والأثاث والمنسوجات.

المجالات الاقتصادية الرئيسية ذات الطبيعة الإنتاجية تشهد مشروعات عملاقة لا تقل نفوذا عن المدن فى خدمة المشروع الوطنى. مشروع النيل الجديد والدلتا الجديدة لا يغيران فقط من الجغرافيا المصرية، وإنما يضيفان للعمالة والتصنيع والتجارة. ومن يرِد التعرف على المزيد من الصناعة فإن عليه زيارة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس حيث تزدحم المصانع والمناطق اللوجستية معا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العقارات والتصنيع العقارات والتصنيع



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 21:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:27 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تتمتع بسرعة البديهة وبالقدرة على مناقشة أصعب المواضيع

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 02:35 2020 الثلاثاء ,23 حزيران / يونيو

إعدام 1.6 طن من الفئران في الصين خوفًا من "كورونا"

GMT 02:38 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

حل المشاكل الزوجية يحمي الأسر من التفكُّك

GMT 20:11 2018 الإثنين ,27 آب / أغسطس

خاصية جديدة من "فيسبوك" للمستخدمين

GMT 16:21 2014 الأحد ,27 تموز / يوليو

التشويق سبب أساسي في نجاح مسلسل "الصياد"

GMT 01:40 2024 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

جيمي كاراجر يكشف تأجيل تقديم عرض رسمي لمحمد صلاح مع ليفربول

GMT 16:01 2024 الأربعاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أقراط ذهب لإطلالة جذابة في خريف 2024
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib