أميركا «أطلس» يُحجّم ومونرو يُقدّم

أميركا... «أطلس» يُحجّم ومونرو يُقدّم

المغرب اليوم -

أميركا «أطلس» يُحجّم ومونرو يُقدّم

إميل أمين
بقلم : إميل أمين

الخميس الماضي، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، لإدارته الثانية، التي جاءت في نحو 33 صفحة وتعد شرحاً رسمياً لخطوط طول وعرض سياساته الخارجية، وبما يسمح للعالم الخارجي بتشكيل فكرة عن حال العالم في قادم الأيام، لا سيما في ظل ما يبدو أنه نزعة للانعزالية من جديد، والتمترس وراء المحيطين، كما كان الحال قبل الحرب العالمية الثانية.

عبارة واحدة في ثنايا هذه الاستراتيجية، تفكك شيفرة ما في حناياها تقول: «لقد انتهت أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله مثل أطلس».

الذين لديهم علم من كتاب الأساطير الإغريقية يعرفون من هو أطلس، الإله المعبود الذي يحمل قبة السماء على كتفيه.

سطور الاستراتيجية تكاد تنطق بأنَّ واشنطن غير راغبة، وربما غير قادرة، على أن تُضحي شرطيَّ العالم أو القطب المنفرد بمقدرات العالم والساعي لقطع الطريق على القوى الدولية المتعددة، للشراكة الأممية في إدارة شؤون العالم، أو تحمل شجونه، كما خططت لذلك جماعة المحافظين الجدد في ورقتهم الشهيرة «وثيقة القرن» الصادرة عام 1997.

محور الارتكاز الرئيس في الاستراتيجية الأميركية الأحدث، مبدأ مونرو لعام 1823، وفيه أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي.

اليوم لم تعد دول القارة العجوز منافساً جيوسياسياً، بل هي الصين بنوع خاص، وروسيا بدرجة أو بأخرى، ولمواجهتهما جرى لقاء الجنرالات الشهير في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي.

نظرة فاحصة ممحصة على سطور الاستراتيجية، تفيد بأن واشنطن تعيش بالفعل حال دفع أكلاف فرط الإمبراطورية الأميركية، أي عدم المقدرة على التمدد خارج سياقاتها الجغرافية بقوة اندفاع، كما كان الأمر في العقود الثلاثة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي.

الحالة المشار إليها، ليست بدعة في سياقها، فقد سبقتها تجارب مماثلة لإمبراطوريات كبرى، من عند الرومانية والفارسية، وصولاً إلى ألمانيا النازية، والإمبراطورية اليابانية.

ما يهم الولايات المتحدة، هو تقليص النفوذ المعادي الأجنبي، في نصف الكرة الغربي، وبالتحديد في دول أميركا اللاتينية، بدءاً من السيطرة على المنشآت العسكرية والمواني والبنية التحتية الرئيسية، وصولاً إلى شراء الأصول الاستراتيجية بمعناها الواسع.

على أن روح الازدواجية وتكافؤ الأضداد، تبقى حاضرة في بنود الوثيقة، فعلى سبيل المثال تنص على أن «شؤون الدول الأخرى ليس شاغلنا، إلا إذا شكلت أنشطتها تهديداً مباشراً لمصالحنا».

تقول كذلك فيما يخص دول أميركا الجنوبية: «ينبغي تعزيز علاقاتنا مع الدول اللاتينية، بما في ذلك العمل معها لتحديد المواد الاستراتيجية».

يعني هذا أن واشنطن مهمومة ومحمومة ببراغماتية منقطعة النظير، تجاه الهيمنة على الموارد المعدنية المستخدمة في صناعات الرقائق والذكاء الاصطناعي، ومحاولة حرمان الصين وروسيا، أو أي دولة أخرى من الحصول عليها.

لكن كيف يمكن إقامة جسور من الموادة مع تلك الدول، فيما سفن البحرية الأميركية، وحاملات الطائرات تحيط بفنزويلا؟

كعادة سيد البيت الأبيض، يميل دوماً إلى استخدام صيغة أفعل التفضيل، معتبراً أن هذه الاستراتيجية خريطة طريق لضمان بقاء أميركا أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية، وموطن الحرية على الأرض.

لكن التساؤل المثير: «هل يمكن أن يلتزم ترمب بما ورد في الاستراتيجية من منطقات، وبخاصة عند أقرب منحنى عالمي يغير الاتجاهات الدولية؟».

لعلَّ ما يهمنا في الشرق الأوسط بصورة خاصة، هو الميل الواضح لما يمكن بصورة أو بأخرى أن نطلق عليه، سياسة الانعزالية مرة جديدة، بعدما بدا مؤخراً أن الرجل يتطلع لشراكة فاعلة ودور ناجز في أعمال التهدئة.

الوثيقة توضح أن النفط لم يعد الركيزة الأساسية في التعامل، بعد أن باتت هناك مصادر وفيرة في الداخل الأميركي، وأن الشرق أضحى ساحة للنمو والازدهار، وهي أمنيات نتطلع لها، لكنها ليست واقع حال.

تتعاطى الاستراتيجية باللين والرفق الكبيرين مع الصين، وكأنها تحاول الفكاك من فخ ثيوثيديدس، كما تبدو أنها تدعم وبقوة فكرة وضع حد لأزمة حرب أوكرانيا بأسرع وقت، حتى ولو تكبد الأوكرانيون ضرائب باهظة.

المفاجأة في هذه الوثيقة في نظرتها للجانب الآخر من الأطلسي حيث شراكة الناتو مع أوروبا تبدو مغلفة بشكوك مستقبلية، في ضوء الإبادة الثقافية التي تتعرض لها أوروبا والاستبدال الكبير الحادث هناك، بحسب الرؤية الأميركية الداعمة للشعبوية الأوروبية.

الخلاصة... أطلس الأميركي يتراجع ومونرو يتقدم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا «أطلس» يُحجّم ومونرو يُقدّم أميركا «أطلس» يُحجّم ومونرو يُقدّم



GMT 07:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

لا يفقدان

GMT 07:28 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

سجادة الجمر الإيراني

GMT 07:27 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

إيران وإسرائيل ونحنُ... ماذا لو؟!

GMT 07:26 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ثلاث حروب لا حرب واحدة

GMT 07:25 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

طلقات «فشنك»!

GMT 07:23 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

قراءة للأسابيع الستة الأولى من الحرب

GMT 10:58 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 10:57 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 12:06 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح
المغرب اليوم - حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح

GMT 19:53 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 21:14 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تجنب اتخاذ القرارات المصيرية أو الحاسمة

GMT 21:02 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"اصاحبى" يجمع بيومي فؤاد مع محمد ثروت

GMT 12:45 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 05:38 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يُوضّح كواليس آخر حوار أجرته الراحلة شادية

GMT 00:24 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

اليابان تخطط لبناء أسرع حاسب عملاق في العالم

GMT 18:52 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أنباء عن تغيير موعد مواجهة نهضة بركان والوداد البيضاوي

GMT 00:51 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

رامي رضوان يؤكد أن تقديم توك شو صباحي أسهل من المسائي

GMT 11:18 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

السجن لأب أسترالي زوج ابنته ذات الـ12 عام

GMT 00:45 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد شاغو يطالب الجماهير المراكشية بالعودة إلى المدرجات

GMT 08:16 2024 الإثنين ,27 أيار / مايو

إصابة وزير الثقافة المغربي بفيروس كوفيد -19
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib