العفريتة شهادة ميلاد العالم

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

المغرب اليوم -

العفريتة شهادة ميلاد العالم

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

قبل أن أخوض في حديثي هذا أودُّ أن أقول إنَّ كلمة «العفريتة» التي ابتكرتها الذاكرة الشعبية المصرية قبل عقود طويلة، قد تكون أكثر حداثة من كثير من المصطلحات التقنية التي نستخدمها اليوم. فقد فهم الناس ببساطة ما نحاول نحن أن نفهمه الآن بلغة الفلسفة والذكاء الاصطناعي. فالعفريتة كانت شهادة ميلاد الصورة.

كنتُ أول من احتفل بالعفريتة وعلّقها في غرفته. أُخذت لنا صورة الشهادة الابتدائية. كنَّا نرتدي القميص ذاته والجاكيت ذاته. كنَّا نخلع ملابسنا في الاستوديو ونلبس القميص ذاته والجاكيت ذاته، وأحياناً لا شيء تحتهما. تسلَّمت الصور بالمقاس الذي تطلبه المدرسة (ستة في تسعة).

العفريتة هي الصورة المقلوبة؛ الأبيض فيها أسود، والأسود أبيض، كما الأشباح. وربما لهذا تعارف الناس عليها باسم «العفريتة». لكنها لم تكن مجرد صورة مقلوبة، بل شهادة ميلاد الصورة نفسها.

منذ البداية كنت مغرماً بالعفريتة وبغرفة التحميض؛ تلك الغرفة المظلمة التي يدخل إليها الفيلم بعد أن يمر الضوء عبر العدسة. يُغمس في السائل الكيميائي، ثم يُغسل بالماء، ثم يعلق على حبل حتى تجف الصورة. كانت الصورة تمر برحلة كاملة قبل أن تصبح حقيقة قابلة للرؤية.

في عصر الذكاء الاصطناعي وتكرار الصور التي بلا أصل؛ إذ نرى صوراً لطفل لم يولد، وحرباً لم تحدث، وأصواتاً لم تخرج من حنجرة إنسان... عاد إليّ ذلك الهاجس الأول الخاص بالعفريتة وغرفة التحميض و«النيغاتيف». أين أصل كل هذه الصور؟ وهل لهذا العالم كاملاً من شهادة ميلاد؟ سؤالُ العالمِ اليوم: هل مرَّ الضوءُ من هنا ذاتَ مرة؟ وهل لهذا العالم عفريتة؟

قصة الأصل والصورة قديمة، وانشغل بها فلاسفة منذ أفلاطون حتى جون بودريارد. الصورة دائماً تأتي بعد الأصل، والأثر بعد الحدث. وحتى عندما اختلف الفلاسفة حول طبيعة الحقيقة، ظلوا متفقين على وجود نقطة بداية يمكن الرجوع إليها؛ شهادة ميلاد للصورة. لكن الذكاء الاصطناعي يضعنا لأول مرة أمام إمكانية إنتاج الصورة من دون أصل، العالم بلا شهادة ميلاد، بلا عفريتة ولا غرفة تحميض.

قصة العفريتة أدخلتني خلال العامين الماضيين في مشروع كتابة رواية انتهيت منها قبل يومين بعنوان «رسول». وفيها استعارتان حاكمتان هما غرفة التحميض و«الأتر» (الأثر). هناك جملة تتكرر في الرواية: «الرحم غرفة التحميض الأولى». فالإنسان نفسه يبدأ حياته في عتمة، ثم يخرج إلى النور حاملاً شهادة ميلاده.

«الأتر»، هكذا ننطق كلمة «الأثر» في قريتنا في صعيد مصر. لكن «الأتر» عندنا ليس مجرد بقايا شيء مضى. نقول: «فلان من بقية أترك»؛ أي من دمك وسلالتك وما تبقى منك في الآخرين. شخص يشترك معك في أصل واحد وإن تفرقت بكما الطرق.

العفريتة هي «أتر» الصورة. هي الدليل على أن الضوء مرَّ من هنا. هي الخيط الذي يربط النسخة بأصلها. الحضارة الإنسانية كلها قائمة على هذه الفكرة. المؤرخ يبحث عن وثيقة أصلية، والقاضي عن دليل، وعالم الآثار عن أثر. وحتى الإنسان العادي يحتفظ بشهادة ميلاده ليقول: لقد كنت هنا بالفعل. لكن ماذا يحدث عندما تصبح النسخة مستقلة عن الأصل، أو بلا أصل؟ في الصعيد نحن لسنا علماء آثار نبحث عن الذهب، بل علماء «أتر»، نتقصى ما بقي من حياة.

بعد عشرين عاماً من الآن قد تصبح معظم الصور التي نراها محل شك؛ ليس لأنَّها كلها مزيفة، بل لأن أحداً لن يستطيع بسهولة أن يثبت أيها وُلد في العالم الحقيقي، وأيها وُلد داخل خوارزمية. صور بلا «أتر» ولا عفريتة، لم تولد في غرفة التحميض. هنا تصبح الأزمة ليست أزمة معلومات، بل أزمة «أتر»، وأزمة أصالة. يصبح التحدي هو البحث عن عفريتة، وعن طرق تمنح الأشياء شهادات ميلادها. التحدي ليس الصورة نفسها، بل إثبات نسبها.

وربما تكون المهمة الكبرى لجيلنا هي البحث عن شهادة ميلاد العالم الرقمي كله. فعندما يفقد العالم عفريتته، يفقد أصله. وعندما يضيع الأصل، يصبح كل شيء محل شك. ما زلت أضحك على العفريتة، وعلى الوقوف في الاستوديو بجاكيت وقميص مستعارين، ولا تعرف الإدارة التعليمية في القاهرة أننا كنا بلا ملابس تحت الجاكيت والقميص!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العفريتة شهادة ميلاد العالم العفريتة شهادة ميلاد العالم



GMT 12:07 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

GMT 12:05 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

لنتخلص من “شو طالع في إيدو”

GMT 12:01 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الزلزال أكثر رأفة

GMT 11:59 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

هرمز... الكلام «على إيه»؟

GMT 11:57 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

GMT 11:52 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

مشاغبات صلاح عيسى

GMT 11:50 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

النجاح والفشل كلاهما كذبة

GMT 11:49 2026 الأحد ,28 حزيران / يونيو

لثغة فاتن حمامة!

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - المغرب اليوم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib