بقلم : عمرو الشوبكي
اختلفت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية فى فرنسا عن احتجاجات السترات الصفراء منذ عدة سنوات، وهى تختلف أيضا عن الاحتجاجات الاجتماعية التى تخرج ضد البطالة أو الغلاء أو قانون التقاعد وتنتهى بحل ولو جانب من هذه القضايا، كما أنها تختلف عن ثورة الطلاب فى ١٩٦٨ والتى غيرت فى معادلات الحكم والسياسة والعلاقات الاجتماعية.
صحيح أنه من الوارد أن تغير احتجاجات الطلاب فى معادلات الحكم والسياسة دون الحاجة إلى عمليات تخريب وتكسير وعنف فى حال امتكلت مشروعا سياسيا بديلا يحمله هؤلاء الشباب ويكون قادرا على التأثير فى الرأى العام وفى النخب السياسية والنقابية.
والمؤكد أن احتجاجات الطلاب فى فرنسا هى جزء من رحلة كثير من المجتمعات الغربية فى التعامل مع هذا النوع من الاحتجاجات، فقد شهدت فرنسا فى ١٩٦٨ ما عرف بـ«ثورة الطلاب» حين خرجت مظاهرات عارمة ضد السلطة الأبوية وهيمنة الجنرال ديجول على النظام السياسى فى الداخل، وضد حرب فيتنام فى الخارج أو ما سمى «حروب الإمبريالية»، وفق التعبيرات اليسارية الرائجة فى ذلك الوقت.
وقد أدت تلك الاحتجاجات إلى تغيير فى بنية النظام السياسى القائم، وقرر زعيم بوزن ديجول أن يستقيل فى عام ١٩٦٩ عقب نتائج استفتاء لم تكن مرضية له، وشهد النظام السياسى والاجتماعى فى فرنسا تغييرات عميقة وظهر جيل جديد فى الحياة السياسية والمهنية فرض نمطا من العلاقات الاجتماعية والأسرية اختلف عما كان قبل ثورة ١٩٦٨ حتى نجح كثير من قادة هذا الجيل أن يصلوا للحكم بعد انتمائهم لأحزاب سياسية إصلاحية وتخليهم عن كثير من أفكارهم الثورية والاحتجاجية. أما أمريكا فقد شهدت فى نفس العام احتجاجات طلابية واسعة ضد الحرب فى فيتنام أسهمت فى إيقافها.
لقد غيرت احتجاجات ١٩٦٨ فى معادلات الحكم والسياسة فى فرنسا وأثرت فى أوروبا والعالم وأسهمت فى إيقاف حرب فيتنام وتقديم جيل جديد ونخبة جديدة بعضها وصل للحكم، أما احتجاجات ٢٠٢٦ فمهمتها أصعب لأنها تواجه منظومة حكم راسخة وأنها لا تحمل أى مشروع سياسى بديل إنما هى أفكار نقدية واحتجاجية ومطلبية. كما أن قيادات أقصى اليسار التى تدعم احتجاجات الطلاب عينها على انتخابات الرئاسة التى يترشح فيها زعيمه «ميلنشون» أكثر من حل مشاكل الطلاب.
مسار الاحتجاجات فى فرنسا متكرر وهى جزء من الثقافة السياسية للبلد، ومن المتوقع أن تؤدى إلى تحسين أحوال المدارس الثانوية وربما زيادة أعداد المدرسين وتقليص أعداد الطلاب فى الفصول كل ذلك ستعمل الحكومة الفرنسية على إيجاد حلول له، لكنها لن تحدث تحولا نوعيا فى بنية النظام السياسى كما جرى مع ثورة الطلاب فى ١٩٦٨ التى حملت مشروعا سياسيا متكاملا حتى لو كان حالما، أما الاحتجاجات الحالية فهى تحمل مطالب احتجاجية ونجاحها لن يتعدى الإطار المطلبى بتحسين ظروف الطلاب والمدرسين والمدارس.