ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»

المغرب اليوم -

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»

إميل أمين
بقلم : إميل أمين

تمر هذه الأيام ستة عقود على صدور الإعلان المجمعي الشهير «Nostra Aetate» أو «في حاضرات أيامنا»، والذي أعلنه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965) في الفاتيكان، مؤذناً بفجر جديد للعلاقات بين أتباع الأديان التوحيدية، وبداية مسيرة تصالحية مع النواميس الوضعية.

جاءت هذه الوثيقة ممثلة لاتجاه فكري وروحي مثّل الخروج من دائرة استبعاد الآخر والدخول من ثم في دينامية الاعتراف بوجود «شعاع من الحقيقة ينير كل البشر»، وبمعنى آخر الانعتاق من فكرة حيازة جماعة بشرية بعينها لما يعرف بـ«الحقيقة المطلقة»؛ فالكل لديه قبس من نور إلهي كفيل بأن ينير خطاه عبر رحلة الحياة على الأرض.

تقر وثيقة «في حاضرات أيامنا» في توطئتها أن كل الشعوب جماعة واحدة ولها أصل واحد؛ لأن الله تعالى هو الذي أسكن الجنس البشري بأسره على وجه الأرض كلها، ولهم غاية أخيرة واحدة، وهي الخالق جلّ اسمه، الذي يشمل الجميع بعنايته.

تتجاوز دعوة الوثيقة فكرة الحوار النظري المجرد؛ إذ تفتح أعين أصحاب التوحيد على الأسئلة الجوهرية التي لا يزال الإنسان معها سائراً حائراً، فالبشر من مختلف الملل والنحل ينتظرون إجابات عن الألغاز الخفية التي لا تزال تشغل عقولهم، ويسعون معاً في مواجهة ومجابهة نوازل الحياة المعاصرة.

يعتبر السفير أنطونيو دي ألميدا، الأمين العام المكلف لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، أن الكنيسة الكاثوليكية فتحت باباً غير مسبوق للحوار بين أتباع الأديان، معترفة بالحقيقة والقداسة الموجودة في الأديان الأخرى، وداعية إلى التفاهم المتبادل، والاحترام والتعاون. ومن خلال تأكيدها على الإرث الروحي المشترك مع اليهودية، واعترافها بالإسلام والمسلمين كعباد لله الواحد الأحد، الرحمن الرحيم، عطفاً على فتح مساقات مع البوذية والهندوسية، وغيرهما من الديانات العالمية، شكّلت «في حاضرات أيامنا» علامة فارقة في تعزيز المصالحة وتجاوز قرون من التحيز.

هل لا يزال لهذه الوثيقة، بعد ستة عقود، مع الأخذ في الاعتبار التغيرات والتطورات الجيوسياسية، عطفاً على تحول العالم في اتجاه عولمي؛ هل لا يزال لها أهمية، أو تشكل فاعلية ديناميكية في مسيرة الإنسانية؟

بحسب السفير ألميدا، تواصل «نوسترا أيتاتي» إلهام جهود الحوار الملموسة، ومنها على سبيل المثال أن العام المقبل سوف يشهد الذكرى العاشرة للمجلس الإسلامي - اليهودي (MJLC) المدعوم من «كايسيد»، وهو ما يمثل فرصة مهمة لتعزيز الحوار بين المسلمين واليهود في أوروبا؛ القارة التي لا تزال معاداة السامية وكراهية المسلمين فيها تشكلان تهديداً متزايداً للتماسك الاجتماعي والتعايش السلمي.

كانت الوثيقة المجمعية هذه نتاج جهد عمل كبير لفريق من مفكري الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، لا سيما أولئك الذين اقتربوا بشكل كبير من العالمين العربي والإسلامي، وفي المقدمة منهم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، عطفاً على العلّامة المصري جورج قنواتي.

يلحظ المرء، قبل كل شيء، أن البابا بولس السادس الذي صدر الإعلان المجمعي في عصره، في رسالته العامة «Ecclessiam Suam» قد حدد أهم ملامح الحوار الذي ترغب فيه المؤسسة الكاثوليكية عبر العقود المقبلة، وفي المقدمة منها الوضوح قبل أي شيء آخر؛ فالحوار يتطلب أن يكون ما يقال مفهوماً.

في جوهرها، والحديث للسفير أنطونيو دي ألميدا، تؤطر الوثيقة للحوار بين أتباع الأديان، لا كخيار فحسب، بل كأداة ضرورية لتعزيز العدالة الاجتماعية والسلام وتجاوز الانقسامات. وهذا يتوافق تماماً مع مهمة «كايسيد»؛ ذلك المركز التنويري الخلّاق الذي أُسس عام 2012 كمبادرة للحوار بين أتباع الأديان برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - رحمه الله - وطيِّب الذكر البابا بنديكتوس السادس عشر، لتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومكافحة سوء استخدام الدين لتبرير العنف والقمع، ولهذا السبب شارك «كايسيد» بفاعلية في مؤتمر «استشراف المستقبل: إعادة تقييم (نوسترا أيتاتي) اليوم»، الذي نظمته الجامعة الغريغورية الحبرية في روما خلال الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم.

يحتاج الحديث عن الوثيقة وتفاصيلها الكثير من القراءات المعمقة، غير أن أنفع وأرفع ما يقال عنها هو أنها ليست مجرد أثر من الماضي، بل دعوة حية مستقبلية للعمل على تجسير الفجوات، وتعزيز التعاطف، وبناء عالم يكون فيه الإيمان قوة للعدالة، والرحمة، والإنسانية المشتركة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي» ستة عقود على إعلان «نوسترا أيتاتي»



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib