حين يبدّل اليسار معطفه من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك

حين يبدّل اليسار معطفه: من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك

المغرب اليوم -

حين يبدّل اليسار معطفه من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

ليس التحول من اليسار إلى التشدد الديني حادثة فردية معزولة، ولا هو نكتة فكرية عابرة تصلح للسخرية، بل ظاهرة سياسية - نفسية تكررت في أكثر من سياق عربي، وبصور مختلفة، لكنها تشترك في جذر واحد، هشاشة القناعة وهشاشة المعرفة، حين تُبنى على الشعار لا على الفهم، وعلى الموقف لا على المعرفة.

قصة السيدة ثريا منقوش، اليسارية اليمنية التي احتُفي بكتابها "التوحيد يماني" في سبعينيات القرن الماضي، ثم ظهرت بعد سنوات بلباس أبيض وعمامة وتعلن بثقة أنها "نبيّة"، ليست مجرد واقعة طريفة في تاريخ المثقفين العرب. هي تعبير فاضح عن عقل لم ينتقل من فكرة إلى نقيضها، بل قفز من يقين زائف إلى يقين أكثر زيفاً، ومن خطاب شمولي إلى آخر، دون أن يمر بلحظة مراجعة حقيقية.

ذلك حدث مع جمهور كبير من شيعة العراق وأيضاً شيعة لبنان، عندما انتقل كثير منهم من الأطروحات اليسارية إلى الكهنوتية. جماعات تبحث عن الخلاص في المكان الخطأ.

ما يجمع بين اليسار العقائدي والتشدد الديني ليس المحتوى، بل البنية الذهنية. كلاهما يقدّم تفسيراً شاملاً للعالم، إجابة جاهزة عن الخير والشر، وعن الماضي والمستقبل، ويعفي الفرد من عبء الشك، ومن مسؤولية السؤال الصحيح في كيفية حل معضلات المجتمع والسياسة في عالمه. في الحالتين، الفكرة لا تُناقش بل تُعتنق، وتُرفع إلى مرتبة الحقيقة المطلقة التي لا تحتاج إلى برهان. ومن يخرج عنها إما "خائن وعميل" أو "مرتد"، وفي كلا الحالين هو تهميش وتضييق على الرأي الآخر .

حين قالت ثريا جملتها الشهيرة، عندما قيل لها إن النبي قال إنه آخر الأنبياء، قالت: "النبي قال آخر الأنبياء ولم يقل آخر النبيات"، لم تكن تمارس تأويلاً دينياً بقدر ما كانت تمارس منطق الأدلجة ذاته الذي سكنها وهي يسارية. اللعب على اللغة، اقتطاع النص، بناء استنتاج صادم، ثم إعلان امتلاك الحقيقة. هذا ليس عقلاً دينياً ولا عقلاً يسارياً، بل عقل مؤدلج يبحث دائماً عن منصة يقف فوقها لا عن أرض يقف عليها، من هنا في تاريخنا الحديث فشل الحكم الأيديولوجي (اليساري والكهنوتي) الذي تبني تهميش أهم أدوات الحكم، المراجعة والمساءلة.

المثال العراقي أكثر قسوة وأكثر دلالة. حزب البعث العراقي كان حزباً علمانياً، بل معادياً للدين السياسي، يعتمد الدولة المركزية والجيش والنظام الصارم. لكن مجرد سقوط النظام وتسريح الجيش، أي إزالة الإطار السلطوي الذي كان يمسك هذه الكتلة البشرية، حوّل آلاف الضباط والمنتسبين إلى وقود لتنظيمات متطرفة، في مقدمتها "داعش". كيف ينتقل العسكري العلماني إلى أقصى درجات التشدد الديني؟ السؤال ليس في الدين، بل في الفراغ.

العقل الذي لم يُدرَّب على النقد، ولم يتعلم الشك، ولم يُربَّ على التمييز بين الدولة والفكرة، يبحث عند الانهيار عن بديل شمولي جديد. وحين تسقط الدولة، لا يبقى سوى الهويات الصلبة: الطائفة، العقيدة، النص المقدس. فيتحول الشعار القومي إلى راية دينية، ويتحوّل الانضباط العسكري إلى طاعة عمياء، ويتحوّل العنف "الشرعي" للدولة إلى عنف "مقدس" باسم الله. المشكلة ليست في الظروف وحدها، رغم قسوتها، ولا في الدين ذاته، ولا في اليسار كفكر نقدي. المشكلة في عقل لم يؤسس قناعاته على ثوابت معرفية، بل على شعارات فوقية تُلقَّن ولا تُفهم. هذا العقل لا يغيّر موقعه لأنه تطور، بل لأنه يبحث دائماً عن يقين جاهز يريحه من عناء التفكير .

في كثير من تجاربه، لم يكن يساراً نقدياً بقدر ما كان أيديولوجيا مغلقة. وحين انهارت السرديات الكبرى مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكك نماذج "الخلاص"، لم يملك أدوات المراجعة، فانتقل بعضه إلى النقيض، لا بوصفه نقيضاً، بل بوصفه خلاصاً بديلاً، وتقاتل (الأخوة – الأعداء) حتى التصفية الجسدية. لهذا لا ينبغي أن نفاجأ حين نرى يسارياً سابقاً يتحول إلى داعية متشدد، أو قومياً صلباً يصبح طائفياً شرساً. المفاجأة الحقيقية أن نظل نعتقد أن هذه التحولات طارئة، بينما هي نتيجة طبيعية لعقل لم يتعلم أن الحقيقة نسبية، وأن السياسة مجال إدارة لا مجال خلاص، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في شعار.

المعضلة التي نواجه هي أن التناقض بين الحل الاجتماعي أو السياسي أو حتى الاقتصادي، وهو معقد، ليس بين الصالح والأصلح، بل بين الحق المطلق والباطل المطلق. هو تنافس ليس في الأفكار، بل في العقول التي تحملها. وحين لا تكون القناعات مؤسسة على معرفة، فإنها لا تنهار بهدوء، بل تنقلب إلى نقيضها بعنف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يبدّل اليسار معطفه من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك حين يبدّل اليسار معطفه من شعار الخلاص إلى يقين الهلاك



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib