بقلم:خالد منتصر
عندما دعانى د محمد إسماعيل، ود عمرو هلال وهما من أساتذة التخدير المرموقين فى طب عين شمس، للحديث عن مستقبل الرواية على هامش المؤتمر السنوى للكلية، وجدت نفسى متلبساً بعدم حسم السؤال، بل بعدم طرحه على نفسى أصلاً، خاصة وأننى أصبحت مغرماً بكتابة هذا الفن الساحر الذى جذبنى كالرمال المتحركة، وتركت من أجل غوايته المراوغة، أشياء أخرى كثيرة ربما أكثر ربحاً، وأكثر ضماناً، لكن منذ متى تناقش أسباب العشق والانجذاب بالمنطق والمنفعة، المهم أنها كانت فرصة ذهبية، للجلوس مع النفس، ومحاولة مواجهة هذا السؤال الصعب، الذى من الممكن أن تصدمنى إجابته المحبطة، لأننى وقتها سأكتشف أن معشوقتى الرواية فى طريقها إلى الذبول، وأنا تسللت إلى مخدعها، بعد أن هاجرت، وغابت.
وأستقبل فيها العزاء، ووجدتنى فى النهاية أقول، لا لن تموت الرواية، ليس لأطمئن نفسى، لكن لأنها تستعصى على الموت، لأنها هى ببساطة، الميلاد، هى ميلاد الإنسان، وميلاد الحضارة، الحكى كما قال الكاتب والمؤرخ يوفال نوح هرارى، هو سبب قيام الحضارة، وهو المهارة التى استطاع بها الإنسان أن يرتقى إلى مرتبة الـHomosapien، حقاً هناك أسباب بيولوجية جعلتنا نتفوق على أبناء عمومتنا مثل وجود العينين فى مقدمة الوجه، والمشى على قدمين وتحرر اليدين، واكتشاف النار مما ساعد على الطهى وتوفير طاقة المضغ للمخ.. الخ، لكن كما يقول هرارى، أن قدرتنا على الحكى هى التى استطاعت تكوين المجتمع، المدينة، الخلافة، المملكة، فالقرد لا يستطيع أن يقود أكثر من خمسين أو مائة، فالصوت عنده هو وغيره من الحيوانات، هو مجرد رسالة محددة، هو ينبه أقرانه إلى أن النمر بجانب البحيرة يقترب ليلتهمنا، لكن الإنسان بقدرته على الحكى، اخترع الخرافة المشتركة، استطاع أن يؤلف خرافة يجمع حولها الناس، فقال النمر له معجزات وبركات وهيا نبنى له مقاماً ونتبرك به!، هكذا ولدت الحكاية، الكذبة الممتعة، فن الرواية، الذكاء الاصطناعى قام بكتابة روايات، لها حبكة، ومنضبطة لغوياً ونحوياً، فيها شخصيات وأحداث، لكن هل الذكاء الاصطناعى يستطيع كتابة الثلاثية، أو مائة عام من العزلة؟، مستحيل، لأن الرواية ليست مجرد أحداث وشخصيات، لكنها تجربة بشرية متفردة، ملتصقة بصاحبها، نجيب محفوظ كتب الثلاثية لأنه عاش أحداث ثورة ١٩١٩، وقابل السيد أحمد عبد الجواد شخصياً، وماركيز كتب مائة عام من العزلة، لأنه ابن كولومبيا، هذا المكان الساحر، هو لم يدخل المعمل ليصنع الواقعية السحرية، لكن سحر كولومبيا ومغامرات أبنائها، هو الذى خلق تجربة ماركيز المتفردة.
الذكاء الاصطناعى لن يغتال الرواية، لكنه سيجبر الرواية على تطوير أساليبها، وتغيير جلدها، والاستفادة من التكنولوجيا، كما لم يستطع الإنترنت شطب الرواية، بل بالعكس استفادت منه فى النشر بالكتاب الإلكترونى، وكذلك السينما التى فيها المتفرج كائن سلبى فى الصالة المظلمة، على عكس الرواية التى أنت فيها مشارك إيجابى، فراسكولنيكوف بطل الجريمة والعقاب فى الرواية أحس بذنبه، أعيش إحساسه بالصراع الداخلى أكثر من السينما، وظلت السينما مزدهرة، ومعها ازدهرت الرواية التى كانت مصدراً للأفلام، الرواية تجربة ومغامرة لاكتشاف الوجود الإنسانى، وكما قال ماركيز «نحن لسنا ما عشناه من أيام، بل ما نتذكره من تلك الأيام، وكيف نحكيها»، لذلك ستظل الرواية هى فتات الذاكرة الإنسانية، التى نجمع شظاياها لنرسم جدارية الموزاييك التى ترصد الماضى، وتستكشف المستقبل.