النجاة من السعادة

النجاة من السعادة!

المغرب اليوم -

النجاة من السعادة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

أعرف أنك متعجب من هذا العنوان، وغالبا تعتبره من الأخطاء المطبعية للجريدة، وتلوم المصحح اللغوى، أو تتهمنى بالجنون، هل هناك على ظهر هذا الكوكب من يريد أن ينجو من السعادة؟!، الإجابة نعم، إنها الروائية كارول ستوركا فى مسلسل PLURIBUS، ذلك المسلسل الذى يتابعه العالم الآن ويحبس أنفاسه مع حلقاته التى عرضت منها ٤ حلقات فقط، اسم السيناريست والمخرج فينيس جليجان صار علامة مسجلة على الجودة والإتقان وخلق جو من التوتر والإيقاع الدرامى الذى يعتبر مسطرة قياس الآن، ومرجعًا لكل كتّاب السيناريو فى العالم، جليجان فى كل الاستفتاءات هو أعظم سيناريست معاصر فى العالم، ومسلسله breaking Bad هو رقم واحد الذى يتربع على قائمة الدراما، الفن إذا لم يكن مختلفا، ولم يقدم جديدا، فقد خصمت منه صفة الفن، كارول رفضت السعادة حين صار المقابل أن تفقد فردانيتها، سر إبداعها، طاقة الاختلاف والتميز عندها، كارول رفضت الصمغ الاجتماعى الذى يريدون فرضه عليها، المسلسل يطرح هذا السؤال الوجودى المدهش الذى من فرط بساطته لا نستطيع الإجابة عنه، سؤال صادم، طرحه جليجان بعبقرية، من خلال رسم محكم لشخصيات منحوتة ببراعة، وحوار فلسفى قوى وغير معقد وبدون مصطلحات كبيرة أو «مكلكعة»، البداية إشارة من الفضاء، لكنها إشارة بيولوجية، يتم التقاطها فى أحد المعامل، تنتقل كفيروس، يبدأ انتشار العدوى، يصبح العالم كله من المتصلين ذوى الوعى الجماعى، الذين يتحدثون دوما بصيغة الجمع، يحسون نفس إحساس السعادة والرضا، لا يكذبون، هم جميعا فى نفس القالب، بنفس الابتسامة، ينجو ١٣ فردا فقط من بينهم كارول، من غير المتصلين بتلك الإشارة من فيروس السعادة الجماعية، العالم وكأن بلدوزرا قد سار عليه، صار الناس «مبططين» عاطفيا، نفس «الاسطمبة»، كأنهم خارجون من ماكينة «أويما»، صاروا متشابهين كعيون اليابانيين أو حبات اللوبيا، كارول روائية رومانسية عندها دائما وسواس الكمال، تفقد صديقتها مع هجمة هذا الفيروس، ترفض الاندماج والانصهار مع هذا المجتمع، تريد النجاة من ألم الذوبان فى تلك السعادة، ترفض هذا المجتمع الذى صار شبكة عصبية واحدة، تعطى نفس النبضات، هم يريدون إرضاءها بكل السبل وإدخالها نادى السعادة والرضا، وهى ترفض، بكل إصرار وعناد، تدخل السوبر ماركت تجده خاليا، فالناس لا حاجة لهم بالتنوع، ويوصلون نفس الطلب لكل البيوت، تصرخ: أريد التنوع، أريد الاختلاف، أريد الاختيار، حتى الهزار والسخرية لا يفهمونه، كل الكلام عندهم يفهمونه بمعناه الظاهرى، فى وسط مكالمة مع إحداهن، تقول فى التليفون إنها تريد وتتمنى أن تكون فى حوزتها قنبلة يدوية لتفجيرهم، فيحضرون لها قنبلة يدوية، وينفجر منزلها، وتحترق حديقتها، تتوالى الأسئلة الصادمة: هل الحرية بديل السعادة؟، هل الألم مهم للإنسان؟، هل الذوبان الجمعى مرفوض وكريه؟، هل يمكن لنظام «رقيق ولطيف» أن يكون أكثر رعبًا من أى ديكتاتورية، هل يمكن لمجتمع كامل أن يعيش بلا فردية؟، كارول تمثّل نقص الإنسان، فوضاه، غضبه، حيرته، رغباته، خوفه، وحدته، رغبته الداخلية المتشوقة المتحرقة ضد الانصهار، الشغوفة بالفردانية، كارول هى تجسيد لفكرة «أن تكون إنسانًا = أن تكون غير كامل»، ولهذا تصبح كارول الخطر الأكبر على النظام، هى ليست مضادة للعدوى، بل هى مضادة للفلسفة التى يمثلها Pluribus الذى هو ليس فيروسًا بل فكرًا، الكمال بلا فوضى، التناغم بلا اختلاف، السعادة بلا شخصية، العالم بلا فرد، وهذا وجوديا انتحار للإنسانية، الجميل والمدهش فى المسلسل أنه لا يقدم إجابة، والحوار فيه بين المتصلين وغير المتصلين متوازن جدا، وكل من كارول والمتصلين له حجته، ومازلنا ننتظر كيف سينتهى الصراع بين الانصهار الجماعى فى السعادة المزعومة، وبين التحرر والحفاظ على حرية أن أكون أنا لا أنتم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النجاة من السعادة النجاة من السعادة



GMT 05:09 2026 السبت ,16 أيار / مايو

في مفترق الطرق ؟!

GMT 05:08 2026 السبت ,16 أيار / مايو

يروغ خلاصاً

GMT 05:07 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مالي... لسان اللهب الأفريقي

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

أسد التاريخ

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مثلث برمودا في هرمز

GMT 14:53 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

كما في الرسم

GMT 14:51 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

أغنى رجل بمصر... وتجارة تزوير الوثائق

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 03:15 2024 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

نحو 25 منصة بثّت منافسات قفز السعودية بـ3 لغات عالمية

GMT 15:28 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 06:11 2017 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

استقبال بريطانيا ملك إسبانيا في زيارة دولية

GMT 02:09 2017 الأربعاء ,18 كانون الثاني / يناير

هروب إنسان الغاب في مبنى Monsoon من حديقة تشيستر

GMT 20:41 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 08:44 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

شركة أرامكو السعودية تنفي زيادة أسعار البنزين

GMT 04:38 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

مستجدات مشروع مغربي-إماراتي لتزويد1000 قرية بالطاقة الشمسية

GMT 02:53 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

صابرين تؤكد صدمة عائلتها من مسلسل "الجماعة 2"

GMT 11:08 2016 الجمعة ,11 آذار/ مارس

تعلمي العناية بنفسك خلال فترة النفاس

GMT 01:30 2025 الجمعة ,15 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الجمعة 15 أغسطس/آب 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib