سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل

المغرب اليوم -

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل

الدكتور ناصيف حتّي*
بقلم: الدكتور ناصيف حتّي*

اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء وانسحاب الجيش السوري يشكلان حلاً مؤقتاً، وبالطبع أكثر من ضروري، لحفظ الأمن والاستقرار. يشير الاتفاق إلى أنه «يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء السويداء والدولة السورية، وضمان أمنهم واستقرارهم، وأن تبقى سوريا آمنة لجميع أبنائها». الاتفاق خطوة أكثر من ضرورية، لكنه يبقى حلاً هشاً قابلاً للسقوط، ما دام التوتر السياسي والأمني قائماً. توتر يتغذى عند البعض على ما حصل من أعمال عنف في المنطقة ومسبباتها، كما على ما حصل في الساحل السوري، وأيضاً من المجهول الذي قد يتأتى من أحداث مختلفة من جهة، وعند البعض الآخر من مخاوف من محاولات إلهاء السلطة الجديدة عبر إغراقها في حروب وصراعات داخلية بعناوين مختلفة من جهة أخرى. ولا تخفى محاولات إسرائيل الاستفادة من الوضع السائد لإقامة «جنوب لبنان جديد» في سوريا، كما فعلت في الماضي في لبنان. وما يعزز هذا التوجه احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة في الجولان وإسقاط اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في 31 مايو (أيار) 1974 بين الطرفين، والعمل على فرض إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، مما يشكل خرقاً فاضحاً ومستمراً لسيادة سوريا على أراضيها، إلى جانب استمرار الاعتداءات على سوريا.

من أهم العوامل التي تعزز أجواء التوتر والمخاوف في سوريا التي تواجه تحديات جمة في عملية إعادة بناء الاستقرار، وجود تنظيمات ومجموعات مسلحة ما زالت فاعلة على الأرض، وقادرة على القيام بأعمال عنف تحمل تداعيات خطيرة على مسار بناء سوريا الغد. هذه الأطراف يحركها منطق الانتصار والانتقام وهي تحاول فرض رؤيتها على الآخر، الشريك في الوطن، ولكن المختلف في الانتماء الهوياتي ما دون الوطني (الطائفي والإثني والمذهبي) للوصول إلى تنظيم المجتمع والدولة حسب رؤيتها. السلطة الجديدة أمام تحدي إفشال هذا التوجه الذي يهدد السلم الأهلي. تحدٍ لا يقل أهمية إذا ما تم التعامل معه بنجاح، عن العمل على إعادة ترتيب علاقات سوريا مع الأسرة العربية ومع العالم، والذي هو هدف أكثر من ضروري في عملية إعادة بناء الدولة، وولوج مسار التنمية الشاملة. وقد خطت سوريا خطوات أساسية وهامة في هذا المجال.

إن المطلوب اليوم قبل الغد المبادرة إلى إطلاق مسار حوار وطني شامل يمثل المكونات الوطنية كافة للشعب السوري. حوار يهدف إلى بناء نظام جديد يقوم بشكل خاص على مفهومين أساسيين: أولاً المساواة في المواطنة، وليس على التراتبية المقنعة، وذلك كمضمون وممارسة وليس كشعار فضفاض دون أي معايير لتحديد هذا المفهوم. ثانياً، بسبب وجود هويات متنوعة، في زمن إحياء وعودة الهويات ما دون الوطنية والعابرة للوطنية في الإقليم الشرق أوسطي بشكل خاص، ضرورة العمل على إقامة نظام حسب نموذج أو صيغة الديمقراطية التوافقية أو التشاركية. الصيغة التي لا تلغي دور أحد من المكونات، بل تنظم السلطة على أساس مشاركة الجميع وصحة التمثيل وتحصين الحقوق، ولو اختلفت الأوزان بين هذه المكونات. ولا بد من التذكير بأن الديمقراطية التوافقية تبقى الصيغة الضرورية في المجتمعات التي تضم هويات أولية مختلفة، في زمن إحياء الهويات الأولية، أحياناً بصيغ متشددة، وذلك تحت سقف الهوية الوطنية الجامعة: هويات تغني وتعزز الهوية الوطنية المشتركة إذا ما أحسن تنظيم هذه العلاقة.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن «نظام الطائف» الذي أنهى الحروب اللبنانية وغيرها في لبنان؛ تلك الحروب التي قامت تحت تسميات مختلفة، يشكل نموذجاً للاقتداء به، والاستفادة من بعض دروسه، بشكل عام في الحالة السورية. ولا بد من التذكير في هذا السياق بالدور الرائد الذي لعبته المملكة العربية السعودية في احتضان المؤتمر، والدفع نحو إنجاح الأهداف التي انعقد لأجلها.

لم يفشل اتفاق الطائف في لبنان، كنموذج للحكم كما يدعي البعض، بل ما حصل هو أن الخروقات الفاضحة والمستمرة له من أهل السلطة منعت من تطبيقه كلياً. أضف أن «الطائف» للتذكير يفتح الباب كلياً أمام كل عمليات الإصلاح الممكنة والضرورية والتدريجية للدولة، وهو ما لم يتم الأخذ به مثل موضوع اللامركزية الإدارية التي تركت جانباً، وهذه الأخيرة، كمثال ينظر فيه، قد تكون ضرورية كتسوية تنظيمية عملية وفاعلة بين دعاة الدولة شديدة المركزية من جهة، ودعاة الدولة ذات النظام الفيدرالي كما تطالب القوى الكردية في سوريا بشكل خاص من جهة أخرى.

خلاصة الأمر، أن إطلاق مسار صياغة عقد اجتماعي جديد في سوريا (وأقول عقد وطني بالمعنى الشامل) للأسباب التي أشرت إليها، أمر أكثر من ضروري، رغم التحديات التي أمامه. التحديات التي ستزداد مع الوقت شدة وتعقيداً وتداعيات إذا لم يتم إطلاق هذا المسار ورعايته ومواكبته عربياً بشكل خاص. فالاستقرار المجتمعي ضروري لسوريا، ولأمنها الوطني، وللأمن العربي، وكذلك الإقليمي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل سوريا ومسار الحوار الوطني الشامل



GMT 20:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

مجتبى خامنئي "مرشدا"… في حمى "الحرس"

GMT 20:42 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

مدينة الصادق

GMT 20:39 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

تنصيب خامنئي الثَّاني

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 20:35 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

في قلب العاصفة

GMT 20:32 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

المواجهة بلغت نقطة اللاعودة

GMT 20:30 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

روسيا والصين... خطر الديموغرافيا المتناقصة

GMT 19:09 2026 الإثنين ,09 آذار/ مارس

الطبعة المسائية

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم
المغرب اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 21:30 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك تغييرات كبيرة في حياتك خلال هذا الشهر

GMT 21:49 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حماسية وجيدة خلال هذا الشهر

GMT 17:13 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 03:35 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

إليسا تنفي خبراً كاذباً عن وفاتها جراء حادث في دبي

GMT 00:10 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

أبرز أشكال الأحذية الأكثر رواجًا على "انستغرام"

GMT 02:01 2016 الثلاثاء ,19 إبريل / نيسان

صفية مجدي تشرح أساليب وطرق تعليم الأطفال الإبداع
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib