أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية؟

المغرب اليوم -

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية

ناصيف حتّي
بقلم : ناصيف حتّي*

في الثامن والعشرين من هذا الشهر تكون قد مرت عقود ثلاثة على ولادة الشراكة الأورو-متوسطية التي تعرف بـ«مسار برشلونة» (نسبة لمكان الولادة)، التي ضمت دول الاتحاد الأوروبي ودول الجوار المتوسطي. وللتذكير فمن الأمور التي ساهمت في ولادة هذا المسار انطلاق عملية السلام في مدريد نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 1991، الأمر الذي أوجد زخماً حول إمكانية الذهاب إلى السلام الشامل والدائم والعادل على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وحل الدولتين. ولكن سرعان ما تبخر ذلك الزخم مع السياسات الإسرائيلية غداة «مدريد» الرافضة للسلام على أساس ما أشرنا إليه من قرارات ومبادئ. «السلال الثلاث» للتعاون والتشاور، التي تشمل: السياسي والأمني، الاقتصادي والمالي، والثقافي، لم تشهد ما كان منتظراً منها لأسباب عديدة من صراع وتنافس المصالح، ولكن أهم تلك الأسباب التي كانت بمثابة عثرة كبيرة تمثلت فيما أشرنا إليه بشأن السياسات الإسرائيلية والموقف العربي منها في إطار «مسار برشلونة».

بعض الدروس المستفادة من تعثر برشلونة لم تكن بعيدة عن مهندسي تطوير الشراكة الأورو-متوسطية والإعلان في قمة باريس في يوليو (تموز) 2008 عن ولادة «الاتحاد من أجل المتوسط» وريث عملية برشلونة. توسيع العضوية كان من أهم التغييرات التي حصلت بعد برشلونة، ولكن الارتكاز تبلور عملياً بشكل خاص أيضاً فيما يعرف «بالهندسة المتغيرة» كآلية عملية واقعية في التعاون. المقاربة التي تقوم على التعاون الفعلي، ليس بين الكل بالضرورة، بل بين دول معينة في مجال معين يحظى بأولوية عندها، فيما يتقاطع بعضها بالتعاون الفعلي مع دول أخرى أعضاء في مجالات أخرى، ما يسقط فيتو مشاركة الكل، أو اللاأحد. السرعات المتعددة أيضاً هي إحدى آليات إنجاح التعاون من دون ربطه بسرعة الطرف أو الأطراف البطيئة أو المتباطئة لأسباب تتعلق بمصالحها. لكن بالطبع تبقى الفاعلية أسيرة للإمكانات والقدرات الموظفة في هذا النشاط أو ذاك أو لاستمرار الالتزام والانخراط في نشاط أو مشروع معين قد يتراجع لأسباب عديدة عن موقعه المتقدم في لحظة معينة على جدول أولويات مختلف الأطراف المعنية. حظيت قضايا البيئة والتغيير المناخي بموقع متقدم على لائحة الأولويات بسبب تداعياتها الخطيرة إذا لم تعالج بفاعلية، على المصالح الوطنية في أوجهها المتعددة للدول المعنية.

خلاصة الأمر أن تجارب الأمس لم تكن بمستوى التحديات والتطلعات لمواجهة هذه التحديات بنجاح وفاعلية، ولكنها ساهمت، ولو بدرجات متواضعة كما يقول البعض، في احتواء أو تخفيف العديد من المشاكل التي كانت ستواجهها الدول المعنية لو لم يتم التعاون في التعامل معها. وغني عن القول أن التحديات الأوروبية وفي طليعتها الحرب الأوكرانية والأزمات الاقتصادية في القارة القديمة وتراجع الاهتمام بالتعاون في عملية البناء الأوروبي كانت من العناصر الأساسية التي أثرت سلباً في هذا المجال.

على صعيد جنوب المتوسط في عمقه العربي ساهمت مختلف أنواع الحروب بأشكالها المختلفة والنزاعات المستمرة في زيادة التحديات التي تواجهها هذه الدول وفي افتقاد القدرة أو الرغبة عند البعض والارتباك، أو تغير الأولويات العملية أيضاً عند البعض الآخر في التأكيد على أهمية التعاون القائم على تكامل أو تماثل المصالح لمعالجة هذه الأزمات.

«الميثاق الجديد للمتوسط» الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي بعد مشاورات عديدة ومتنوعة مع شركائه في جنوب المتوسط سيشكل العنوان الجديد للتعاون في مرحلة زادت فيها التحديات المتنوعة في طبيعتها ومسبباتها بجنوب المتوسط. كما زادت فيها الفرص لبناء شراكات عملية فاعلة وفعالة. تشهد على ذلك بشكل خاص الأولوية في التعاون الأوروبي الناشط والمتعدد الأهداف مع دول الخليج العربية. من المؤشرات الدالة على الاستراتيجية الأوروبية الجديدة تجاه المنطقة إنشاء المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج. مهام هذه المديرية العامة ستشمل التعاون الاقتصادي، وأمن الطاقة، والهجرة غير النظامية، ومحاربة الإرهاب، والأمن الإقليمي، وإدارة التنافس مع القوى الدولية. باختصار نشهد في لحظة يعيش فيها الاتحاد الأوروبي تحديات استراتيجية توثر على دوره وإمكاناته ومكانته على الصعيدين الإقليمي والدولي، محاولة أوروبية لبلورة استراتيجية شاملة الأبعاد؛ استراتيجية تقوم على بلورة مقاربة جديدة تجاه الجوار القريب الذي أشرنا إليه.

نعيش في محيط تحكمه متغيرات كبيرة، ولكنه أيضاً يحمل فرصاً عديدة لتعاون شامل يقوم على توازن وتكامل المصالح، وذلك ضمن صيغ وهندسات وسرعات مختلفة. كلها تعزز الأمن والاستقرار والازدهار لجميع الأطراف المعنية رغم التحديات القائمة والمتزايدة. فالتعاون الفعلي لم يعد هدية أو منّة من طرف لآخر، بل صار ضرورة للجميع ولو اختلفت الأولويات بين مسألة وأخرى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية أي مستقبل للشراكة الأوروبية ــ المتوسطية



GMT 16:50 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

عن جدليّة الأخلاق ومسارات التاريخ

GMT 12:11 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تسعون عاما على «الضيف»

GMT 12:08 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

رندة أبو العزم.. سيدة الشاشة الإخبارية

GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 08:13 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 17:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض
المغرب اليوم - تفاعل جماهيري ضخم مع محمد حماقي في موسم الرياض

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 20:33 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 12:22 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

رئيس برشلونة يُبرِّئ "ريال مدريد" من تشويه الـ"VAR"

GMT 00:30 2024 الخميس ,01 شباط / فبراير

تراجع أسعار النفط مع تعثر الاقتصاد الصيني

GMT 11:41 2019 الثلاثاء ,12 آذار/ مارس

الشمبانزي "يختصر كلامه لـ2000 إيمائة تشبه البشر

GMT 17:35 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أرخص 5 سيارات في مصر خلال عام 2018

GMT 20:18 2016 الثلاثاء ,13 أيلول / سبتمبر

وصفات من الطب البديل لعلاج الإمساك المزمن

GMT 16:05 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مقاييس التساقطات المطرية المسجلة بالمملكة المغربية

GMT 07:34 2021 السبت ,10 تموز / يوليو

سيارة صينية أنيقة واقتصادية تكتسح الأسواق

GMT 15:48 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أول تعليق لهدى سعد بعد تداول خبر طلاقها

GMT 16:31 2020 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

مفاوضات مع أمير كرارة لبطولة مسلسل من 8 حلقات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib