«اللوفر» وانتهاك هيبة فرنسا

«اللوفر» وانتهاك هيبة فرنسا

المغرب اليوم -

«اللوفر» وانتهاك هيبة فرنسا

سوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

السرقة الاستعراضية الهوليوودية التي نفذت في متحف اللوفر، الواقع في أرقى منطقة باريسية على مبعدة خطوات من مركز للشرطة، وأهم المؤسسات الرسمية، خلال سبع دقائق فقط، حيث تم الاستيلاء على جواهر التاج الملكي، في وضح النهار، والزوار يجوبون القاعات، هي اغتيال لمجموعة رموز وطنية فرنسية كبرى بضربة واحدة وبسرعة البرق.

الجميع تحت الصدمة. الفرنسيون يتحدثون عن فشل الدولة، إهانة وجهت للشعب، وشعور بالذل والخذلان، بخاصة أن أحداً لم يستقل، أو يعترف بمسؤوليته. وزيرة الثقافة رشيدة داتي، تنكر وجود فشل أمني داخل متحف اللوفر، ما يثير الاستفزاز. ترى أن التقصير أتى من نقص في حماية شوارع باريس، حيث دخل السرقة من جادة على نهر السين. رأي قد يكون وجيهاً. إذ كيف للصوص متنكرين بثياب عمّال يأتون بشاحنة، ويرفعون سلماً طويلاً في الشارع على مرأى من الملأ، يتسلقونه إلى الطابق الأول من اللوفر، يقتحمون النافذة، ويخرجون بمسروقاتهم، يتنقلون في شوارع العاصمة الفرنسية بكنز وطني مسروق، ولا يوقفهم أحد. والأسوأ أنهم غابوا عن أعين الكاميرات، واختفى أثرهم. سيكون الأمر أخطر، لو أن كل ما تركوه خلفهم من معدات، بعد الانتهاء من سرقتهم، غير كافٍ للاستدلال على هويتهم في الأيام المقبلة، أو أن يتم العثور عليهم، ولم يعد في جعبتهم ما يعيدونه.

فهل وظيفة حراس اللوفر، أكبر وأشهر متحف في العالم، هي فقط منع الزوار من لمس المعروضات؟ فهؤلاء بدل مواجهة السرقة، تراجعوا أمام التهديد، وجلّ ما فعلوه أنهم طالبوا الرواد بالإخلاء العاجل. يتساءل محلل فرنسي هل كان لص تمتد يده إلى جواهر التاج البريطاني ليخرج من المتحف من دون إطلاق النار عليه؟ ما يثير قلق الفرنسيين على مستقبل أمنهم، ومن ثم أمن ممتلكاتهم الوطنية هو: الإهمال. وكما قالت النائبة كارولين بارمانتيه «هو ليس حادثاً معزولاً، وإنما خلل بنيوي... وانهيار، حيث أصبح مجمل التراث الوطني والديني الفرنسي في خطر بسبب إهمال الدولة». تقرير أخير لديوان المحاسبة كشف عن عيوب خطيرة على مستوى الأمن والسلامة، وحتى في أجهزة الحماية من الحريق. وهو ما أعاد إلى الأذهان حادثة احتراق كنيسة نوتردام الشهيرة، التي كشفت عن إهمال مشابه، ما يجعل الفرنسيين يستنتجون أن ما يحدث، لا يخضع للصدفة، بل الخوف مما سيكشف عنه المستقبل من خلل وتصدّع.

وزيرة الثقافة تتحدث وكأنها مواطنة عادية، عن استهداف تتعرض له المتاحف، ولا تخبر عن الإجراءات التي اتخذت. وكانت سرقة القرن لمتحف اللوفر، فتحت الحديث عن أربع سرقات موصوفة، تعرضت لها متاحف فرنسية في الأشهر القليلة الماضية، إحداها بأكثر من مليون يورو في متحف «أدريان دوبوشيه» في ليموج، ما يجعل القول إن حرّاس متحف اللوفر، أخذوا على حين غرّة، أمر لا يمكن الدفاع عنه.

في يونيو (حزيران) الماضي، كان موظفو اللوفر قد أضربوا احتجاجاً، بعد إلغاء أكثر من 200 وظيفة تتعلق بأمن الغرف. والشهر المقبل سيصدر تقرير عن ديوان المحاسبة، يظهر أن ثلث صالات متحف اللوفر بلا كاميرات. والمتحف الذي مداخيله تفوق مائة مليون يورو سنوياً، وتبلغ تكاليفه التشغيلية واستثماراته نصف مليار، لم يتزود سوى بـ138 كاميرا طوال السنوات الخمس الماضية. التقارير المتوالية التي تحثّ على تحسينات وإجراءات ضرورية بقيت من دون آذان صاغية. تقنيات متردية، وغالبية جناحي «سولي» و«ريشيلو»، غير مؤمّنة بكاميرات.

يحتاج متحف اللوفر الذي كان قصراً ملكياً لأكثر من قرنين من الزمن، إلى استثمارات بمئات ملايين الدولارات. في فرنسا مئات المتاحف والمؤسسات الملحقة بها. صيانة الإرث والحفاظ على التاريخ يحتاجان إلى تمويلات ضخمة، في دولة أصبح إقرار الميزانية فيها، سبباً في إسقاط حكومات متوالية، واهتزازات سياسية. وأتت حادثة سرقة اللوفر الرهيبة بتأثيرها النفسي المزلزل، فيما تستعد الحكومة الحالية لمناقشة ميزانيتها، وفي الوقت الذي يتبين فيه أن رئيساً فرنسياً للمرة الأولى في تاريخ البلاد، يدخل السجن. فقد تعامل نيكولا ساركوزي مع عدوٍ لبلاده، ولمّع صفحته، مقابل تمويل حملته الانتخابية. كما تأتي السرقة المريعة بأسلوب بوليسي مدهش، بعد أقل من سنة على إعادة افتتاح كنيسة نوتردام التي أكلتها نيران الإهمال.

ثمة رموز تتهاوى في فرنسا. رمز حصانة اللوفر العظيم بصالاته الفخمة التي تفوق الأربعمائة، وقطعه النادرة التي يحج إليها السياح من كل بقاع الأرض. رمز باريس، مدينة النور والديجور، المحمية الآمنة المستقرة. رمز فرنسا الدولة الكبرى، القادرة على صون التاريخ الإنساني وحمايته، بينما تعجز دول غوغائية فوضوية، عن حفظ تراثها، مما استحق نقل ممتلكات المستعمرات إلى متاحف أكثر أمناً. ثمة انتهاك معنوي كبير حصل لمقام فرنسا ومجدها وهيبتها، في اختراق استعراضي غادر، سيلهم مخرجي الأفلام والمسلسلات، لأنه ينطوي على دلالات كبرى عميقة، وهو ليس حدثاً عابراً أبداً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«اللوفر» وانتهاك هيبة فرنسا «اللوفر» وانتهاك هيبة فرنسا



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib