بقلم - عبد الرحمن شلقم
في بلادٍ تتَّسعُ فيها الصحراء يكون الماءُ هبةَ الحياة. يتنقل الناسُ في قوافلَ تعبر الصحراءَ في رحلات طويلة، على الإبل سفنِ الصحراء وعرباتها الحية. البحث عن الكلأ مهمة لها رجالُها الذين يملكون خبرةً خاصة في مفازات الصحراء الواسعة. الخبير الذي يقود ثلةً من الباحثين عن الماء في الصحراء يُسمى الرَّائد، وهو قائدٌ له وزنٌ اجتماعي واقتصاديّ أيضاً. المفكرُ والمؤرخُ والباحثُ الليبي، سالم الكبتي، أصدرَ مؤخراً كتاباً بعنوان «الماء والرواد» وقفَ فيه على محطاتٍ سياسيةٍ وتاريخية. عرفَ آبارَ ليبيا الاجتماعيةَ والتاريخيةَ والسياسيةَ والثقافية. تنقَّلَ في جميع أنحاءِ البلاد، في فريقِ بحثٍ اجتماعي وثقافي، قاده الدكتور علي السَّاحلي، الذي تعلَّم في المدارس الإيطالية، وتحصَّل على الدكتوراه، وعمل سفيراً ورئيساً للديوان الملكي، وكانَ عالماً في مجال التاريخ والسياسة والتراث. قامَ سالم الكبتي مع فريقِ البحث بجمعِ الشّعر الشّعبي من مختلف المدن والقرى والواحاتِ الليبية، نُشر في مجلدٍ كبيرٍ بعنوان «ديوان الشعر الشعبي». الكبتي هو مكتبةٌ وموسوعةٌ تاريخية واجتماعية، وذاكرةُ ليبيا الثقافية.
عرفَ السَّاسةَ والأدباءَ والكتابَ والشعراءَ والأساتذةَ الليبيين والعرب الذين درسوا بالجامعات الليبية. نشرَ العشراتِ من الدراسات التاريخية، المدعمة بالوثائقِ التاريخية. نشرَ ثلاثةَ مجلداتٍ ضخمةً عن الملكِ الراحل إدريس السنوسي، بعنوان «إدريس السنوسي الأمير والملك» أرَّخَ فيها المسيرةَ الطويلةَ للملك إدريس من بداياته الأولى، ودورِه القيادي في الجهادِ الليبي ضد الاستعمار الإيطالي، وما قامَ به في تأسيس الدولة بعد الاستقلال. الكبتي عاشَ في تفاصيل الزَّمن الليبي، بكل ما فيه من تحولاتٍ وتعقيدٍ وتطور، واختناقات وخلافات واتفاقات.
كتبَ عن التّجربة البرلمانية في ليبيا عبر ستين سنةً، وعن التنظيماتِ السّرية داخل الجيش الليبي. غاصَ في كيمياءِ زمنٍ ليبي رسم ملامحَ مصير ليبيا من جوانبه المختلفة. قامَ بجهدٍ متميَّز جمعَ عبرَه أعمالَ المفكر الليبي الكبير الصادق النيهوم، ومقالاتِه في الصحافة الليبية. ما أنجزَه عن الملك إدريس السنوسي والصادق النيهوم أراهما من الأعمال الوطنية الاستثنائية الكبيرة. يمتلك مكتبةً جامعةً، تتكدَّس فيها آلافُ الكتبِ والصحف والمجلات الليبية والعربية، التي كانت منذ عشراتِ السنين. تسجيلات صوتية لشعراء وأساتذةٍ جامعيين وشعراء ومفكرين ليبيين وعرب.
الأستاذُ الكبير الدكتور عبد الرحمن بدوي ألقَى محاضرةً عندما كانَ أستاذاً بجامعة بنغازي، تضمَّنت أفكاراً حول منزلة العرب في تاريخ الحضارة الإنسانية. بحث الدكتور بدوي عن نسخةٍ من تلك المحاضرة، بعد مغادرته ليبيا، وتحسَّر كثيراً عليها، وسمَّاها المحاضرة الضائعة، كانتِ المفاجأةُ عندما نشرَ الأستاذ سالم الكبتي نصَّ المحاضرة التي احتفظَ بتسجيلٍ صوتي لها، ونشرها في كتابٍ بعنوان «عبد الرحمن بدوي في بنغازي... المحاضرة الضائعة» عملٌ آخرُ كبيرٌ ومهمٌّ أنجزَه الكبتي، وهو جمع نصوصِ رشاد الهوني، مرفقةً بسيرته، ونشرها بعنوان «زيت القناديل... رشاد بشير الهوني» الذي أصدرَ شقيقُه محمد صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، في 7-3-1964، وبدأ رشاد ينشر أعمالَه فيها.
أهداني الأستاذ سالم كتابَ «زيت القناديل» سنة 2019، وبمجردِ تسلّمي الكتابَ بدأت أتصفّحه، قرأت المقدمةَ التي كتبها الكبتي للكتاب. وجدتني أجلسُ مع رشاد بشير الهوني. فقد عرفتُ رشاد الهوني عندمَا كانَ يرأس تحريرَ صحيفةِ «العرب» التي تصدر بلندن، وكانت لنا أحاديثُ طويلةٌ ومتنوعة. رشاد شخصية فيها زخم من المعلومات، والأفكار المتدفقة، لهجتُه الليبية الشرقاوية المطعمةُ بقفشاتٍ بلهجةِ البحيرة المصرية، تهبُه خفةَ دمٍ تأسرُك وتشدُّك إليه دون ملل. ذاكرة الكبتي تعجُّ بالتفاصيل، عن الشَّخصيات والتواريخ والأماكن. رجالٌ لعبوا أدواراً في سنوات الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي، أو تقلَّدوا مراكزَ سياسية أو عسكريةً بعد الاستقلال، وسواء كانوا صحفيين أو كتَّاباً أو رجال أعمال، بمجرد سؤالك له عن أحدهم، يمطرُك بمعلوماتٍ تفصيلية كاملة عنه، من يوم ولادته إلى يوم رحيله. أحداثٌ علاها غبار السنين، يرويها بكل ما صاحبها من دواعٍ حركتها، وآثارٍ تركتها في المحيط المحلي والوطني.
سالم الكبتي المؤرخ الذي يُشهد له بالدّقة والتوثيق، رائدُ مياه الآبار الليبية. غرفَ منها على مدى سنوات دون توقف، هامَ في واحات الصحراء، وطافَ في القرى والمدن وساهمَ في جمع ما قاله الأولون شعراً وحكمة، عندما كان عضواً في لجنة جمع التراث الشعبي في ليبيا، وشاركَ في تأسيس اتحاد الكتاب الليبيين سنة 1976، منحته كليةُ الآداب بجامعة طرابلس شهادةَ الدكتوراه الفخرية، تقديراً لما قامَ به من جهد متواصل خدمةً للثقافة والعلم في ليبيا.
بنغازي التي قرَّر وزراءُ الثقافة العرب أن تكونَ عاصمة للثقافة العربية لسنة 2026 كانت مجمعاً لمشاعل العلم والثقافة والإبداع، أنارت به دنيا البحر المتوسط منذ العصر اليوناني، إلى قرونِ العهد التركي وما بعدها. الأستاذ سالم الكبتي إضافةٌ فكريةٌ مضيئةٌ لمدينة بنغازي ولليبيا كلها.
في بنغازي عاصمةِ الثقافة العربية، نحتفي مع كلّ العرب برجلٍ وهبَ حياتَه رائداً، يغرف من آبارِ ليبيا والعرب الفكرية والتاريخية، ويسكب ماءَها في مجلداتٍ ومقالاتٍ وحوارات، تسقي أجيالاً في كلّ ربوع الوطن.