ساركوزي في قفص القذافي

ساركوزي في قفص القذافي

المغرب اليوم -

ساركوزي في قفص القذافي

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

بدأت يوم السادس من الشهر الحالي، محاكمة الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي، بتهمة تلقي مبلغ خمسين مليون يورو من الراحل معمر القذافي، لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية عام 2007. المتهم الثاني في هذه القضية، الوزير السابق غيون مع عشرة متهمين آخرين.

في صباح يوم من أيام عام 2021، اتصل بي هاتفياً ضابط شرطة إيطالي، وقال إن ثلاثة قضاة تحقيق فرنسيين سيصلون إلى روما بعد أربعة أيام، ويودون الالتقاء بي إن لم يكن لدي مانع. زارني الضابط الإيطالي بعد ذلك وناقشت معه تفاصيل الموضوع. التقيت قضاة التحقيق الفرنسيين الثلاثة. قال أحدهم في البداية: إن لديهم جملة من الاستفسارات، حول ما قيل عن تلقي ساركوزي، مبلغ خمسين مليون يورو من ليبيا في عهد القذافي لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية عام 2007. قدم لي أحدهم ورقة كتبت عليها سطور باللغة العربية، وقال إنها بخط يد الراحل رئيس وزراء ليبيا الأسبق الدكتور شكري غانم في كراسة مذكراته. سألني القاضي الفرنسي: هل هذا خط شكري غانم؟ أجبته بأنني غير متأكد. ما نسب إلى شكري في الورقة هو، أن بشير صالح مدير مكتب القائد، أخبر أنهم دفعوا مبلغ خمسين مليون يورو لساركوزي لتمويل حملته الانتخابية. سأل الثاني: هل وزارة الخارجية الليبية التي كنت وزيراً لها آنذاك، هي من دفعت المبلغ؟ أجبته بأن الخارجية تتم كل تحويلاتها عبر البنوك، وليست لها أموال سائلة، ويمكنكم مراجعة البنوك الفرنسية. وأضفت أن العلاقة بين ساركوزي والقذافي، كانت تتم عبر بشير صالح مدير مكتب القذافي وغيون الوزير الصديق المقرب من ساركوزي. قرأ القاضي أقوالاً نسبها إلى الدكتور البغدادي المحمودي، رئيس الوزراء الليبي الأسبق، جاء فيها، أننا كنا في اجتماع مع القذافي حضره بشير صالح، وأنني هاجمتُ صالح بشدة، بسبب اتصالاته بمسؤولين أجانب من دون علمي، وذكرت اتصالاته مع الوزير الفرنسي غيون، وأن القذافي غضب لذلك، وأمر بالتحقيق مع صالح. أجبته: نعم حصل ذلك، ولكن لم يتم أي تحقيق مع صالح.

بعد فوز الرئيس ساركوزي في الانتخابات الرئاسية عام 2007، قام القذافي بزيارة رسمية إلى باريس. كنت الوزير الوحيد الذي رافقه في تلك الزيارة، ومعي محمد الطاهر سيالة مساعدي لشؤون التعاون الدولي، وعلي التريكي المساعد للشؤون الأفريقية، وجمال البرق مدير إدارة التعاون الدولي، وهو الآن سفير ليبيا لدى ألمانيا. عُقد اجتماع مشترك بقصر الإليزيه برئاسة القذافي وساركوزي. ناقشنا الاتفاقيات التي أعدها الطرفان للتوقيع عليها. عرض الرئيس ساركوزي اتفاقية تنص على أن الطرف الليبي وافق على شراء 12 طائرة رافال عسكرية من فرنسا. قلت له يا فخامة الرئيس، هذا الموضوع لم نناقشه في ليبيا، ولم يُطرح في الاجتماعات المشتركة للطرفين الفنيين. استمر النقاش بيني وبين الرئيس أكثر من ربع ساعة. همس القذافي في أذني وقال لي: حاول أن تجد مخرجاً معقولاً. قلت للرئيس ساركوزي: قدموا لنا اقتراحاً ندرسه ونرد عليكم فيما بعد. ولم تتم صفقة الرافال. زيارة القذافي لفرنسا رافقتها منغصات عدَّة. مظاهرات من عائلات ضحايا طائرة اليو تي إيه الفرنسية، التي سقطت في صحراء النيجر، ووجهت فيها التهمة إلى ليبيا. تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، التي هاجم فيها زيارة القذافي لفرنسا، ووصفه بالمنتهك الأكبر لحقوق الإنسان. كنت أجلس مساء في الفندق ومعي علي التريكي ومحمد سيالة وموسى كوسا رئيس هيئة الأمن الخارجي. اتصل بي نوري المسماري مدير المراسم مضطرباً، وحدثني باللغة الإيطالية، وقال: الدجاج الأسود كله عندنا، والقائد أمر بتجهيز الطائرات للمغادرة حالاً. ذهبت مع موسى كوسا إلى إقامة القذافي، بعد نقاش حضره ابنه المعتصم، أقنعته بمواصلة الزيارة، وعقدت مؤتمراً صحافياً، للرد على ما صرح به برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي.

كانت تلك الزيارة، التي وصفت بالتاريخية، رحلة سارت فوق الألغام، بل زرعت ألغاماً تحرك عدادها التنازلي فيما بعد. كان الهدف الأول للقذافي من زيارته لباريس، توظيف النفوذ الفرنسي الفاعل لفرنسا في أفريقيا، للدفع بمشروعه الكبير في تأسيس الاتحاد الأفريقي، في حين كان طموح ساركوزي، فتح باب السوق الليبية للشركات والمنتجات الفرنسية، في جميع المجالات، وعلى رأسها السلاح والنفط. لم يتحقق شيء من ذلك الحلم الطموح، وشعر ساركوزي، أنه دفع ثمناً سيكلفه الكثير بفتحه باب قصر الإليزيه لمعمر القذافي.

بعد تدخل فرنسا عسكرياً في ليبيا عام 2011، برزت تحليلات مختلفة داخل فرنسا وخارجها، عن دوافع ذلك التدخل. هناك من ذهب إلى أن ساركوزي، هبَّ إلى إسقاط القذافي، بدافع كسر حلقة الحقيقة الأقوى في عملية تمويل حملته الانتخابية، وهناك من ردّ التدخل العسكري الفرنسي، إلى الإحباط الذي شعر به ساركوزي، حيث لم تفتح الأبواب الليبية لشركات فرنسا ومنتجاتها، وبخاصة العسكرية. التقى الاثنان في حلبة القدر. كل واحد منهما ضرب الآخر بقبضته الخاصة. رحل معمر القذافي، وبقي الرئيس نيكولاي ساركوزي في حلبة قفص القذافي.

وعلى كل حال فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ساركوزي في قفص القذافي ساركوزي في قفص القذافي



GMT 09:56 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 09:53 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 09:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مباراه رمضانية فى الأداء

GMT 09:40 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

مائدة رمزي بالأقصر!

GMT 09:29 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 09:25 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 09:21 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 09:17 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 11:34 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج
المغرب اليوم - تامر حسني يشيد بأداء عمرو سعد في مسلسل إفراج

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 22:00 2023 الثلاثاء ,09 أيار / مايو

الشرطة المغربية تضبط شخصين في مدينة أكادير

GMT 20:45 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تتحدى من يشكك فيك وتذهب بعيداً في إنجازاتك

GMT 20:49 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 05:30 2018 الإثنين ,24 كانون الأول / ديسمبر

الأسواق العالمية تفقد الأمل في مكاسب عيد الميلاد

GMT 06:13 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

داليا مصطفى تُوضِّح أنّ شخصيتها في "البيت الكبير 2" شريرة

GMT 21:03 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

المغربي الأمين يتوج بلقب الزوجي في دوري المستقبل

GMT 00:01 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

انخفاض سعر الدرهم المغربي مقابل الدولار الأميركي الأربعاء

GMT 01:38 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

توقيف أدهم النابلسي في لبنان لاتهامه بالخطف والاغتصاب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib