لصوص فى القصر

لصوص فى القصر

المغرب اليوم -

لصوص فى القصر

وائل عبد الفتاح


تنتعش الذاكرة أحيانا لندرك أن:

الحكم بالحبس المشدد لمبارك ونجليه ٣ سنوات فى قضية القصور الرئاسية يعنى أن كل محاولات حمايتهم فشلت، وأن ما فعله مقصدار القوانين لحماية الجالس على المقعد الكبير وعائلته لم يفلح عند هذه القضية الصغيرة جدا، بل إن المحاولات نجحت مع المهندس محلب نجم المقاولين العرب وقت زهوة العائلة بسيدتها الأولى والأجيال الجديدة التى ولدت فى ظل مناخ نفسى يقول لكل طفل فيها: «نحن عائلة ملكية لكننا لن نقول لأننا نعيش فى جمهورية..».

صدَّقت العائلة/ وأجيالها/ بل وصدقت مؤسسات الدولة المشاعر الملكية لعائلة رئيس الجمهورية… (مشاعر ترتبط بالعمر الطويل لمبارك.. لأن كل رئيس مر بمصر تصور نفسه ملكا لا يترك مقعده إلا بالموت، بل ويكون له وريث جاهز.. الذى تغير أيام مبارك أنه عاش أطول من سابقيه، كما نضج الأنجال بعدما أطبقت أجهزة القمع الأمنية بخناق الحركة السياسية فى ظل تكريس كامل لدولة بوليسية يتحالف فيها المصرح لهم بجمع الأموال مع شبكات ضباط أمن الدولة الذين مثلوا جهاز الحكم الحقيقى فى السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك).

وهذا غالبا ما دفع اللواء فريد التهامى عندما كان رئيسًا للرقابة الإدارية أيام المرسى إلى منع استكمال التحقيق فى القضية رغم أنه من جيل استفاد من إزاحة مبارك، وسقطت السلطة فى أيديهم.

كما أنه هو «المعلم الروحى» للرئيس السيسى الذى كان فى المجموعة الضيقة التى أدارت من الخلف شؤون الحكم فى أثناء تصدر المشير طنطاوى والفريق عنان.

غالبا، التهامى حاول منع محاكمة مبارك بفعل هذه القوة النفسية التى جعلت كل منتمٍ إلى هذه العقلية من إدارة الدولة يتهيب قبل أن يحاكم رئيسًا أودى بنا إلى ما قبل الكارثة بقليل.

وربما يكون الحكم على مبارك فى قضية فساد يمثل رمزيا رسالة بالقطيعة مع المجال النفسى لمبارك، مقارنة بالدفاع المستميت عنه فى قضايا قتل المتظاهرين أو الإفساد السياسى أو إدانته بالمعنى الذى يفصل الاستبداد عن الفساد ليحاكم مبارك الفاسد (لأن المجموعة الجديدة تريد تقديم التأكيد على صورة النقاء) ويترك مبارك المستبد (.. لأنه لا بد من ترسيخ فكرة أن الاستبداد ضرورة… أو قدر).

وهكذا لم ينل مبارك إلا الإهانة وبقى لهم الاتهام بالسرقة واللصوصية، فى الوقت الذى استماتت فيه المؤسسات كلها لكى لا تحاكم ديكتاتوريته، إهانة لا نعلم هل هى مقصودة أم لا، لكنها التصقت به كما تلتصق اللعنة بالبائسين.

مبارك هو التمساح العجوز الذى كان كنزًا لكل من حوله وبالمقدار الذى يسمح به… ويوافق عليه.. فهو الذى ذهب للعلاج فى آخر أيامه إلى ألمانيا بعد ٣٠ سنة لم يستطع فيها بناء مستشفى واحد يمكنه العلاج فيه، وهو الذى ذهب إلى جحيمه الواقعى بعد أن أصبح ٤٠٪ من المصريين تحت خط الفقر، ومصر دولة فقيرة يحكمها الأغنياء.

أين بقية ثروة مبارك وقد أثبت الحكم الأخير أنه كان يلهو بأموال الدولة؟

وفى رحلة بحث عن كنز التمساح العجوز اكتشفت أنه.. لم تكن لأموال مبارك رائحة قبل أن يغادر قصره إلى حيث ينام الآن على سرير طبى… تحت الإقامة الجبرية.

الرائحة تصاعدت بعدما طارت السلطة/ أو لم تعبر الرائحة جبال الألب إلا بعد تبخر السلطة من قبضة التمساح العجوز.

الآن مبارك فى مستشفى عسكرى على نيل المعادى بينما ثروته مجمدة فى بنوك سويسرا… أى على بُعد خطوات من الفندق الذى أقيم به فى رحلة تحاول الإجابة عن سؤال: لماذا لم تعد أموال مبارك؟

القوانين تمنع مراقبة الحاكم/ فهو الأب الذى تخجل المجتمعات من محاسبته/ وليس الموظف الذى يقوم بمهمة لها حدودها/ ولهذا فالأب الجديد يريد مسح أبوة سابقة/ والبداية من المحاكمات أو التحقيقات التى لا تسندها بنية قانونية قادرة على الكشف/ فالقانون يحمى السلطة ولا يساوى بينها وبين الشعب/ ومبارك وحده الذى سقط ورأى فى حياة عينه تحوله من ديكتاتور/ إله إلى مومياء بائسة.

وهكذا تحول مبارك إلى «حالة..» ليس فى القاهرة حيث سقط عرش خلوده/ ولكن فى سويسرا فهو أحدث سلالة بدأت بديكتاتور الفلبين ماركوس ولم تنتهِ بالقذافى ومن قبله بقليل موبوتو فى الكونغو… هو حالة وحده يلتقى معهم فى الشعور بألوهية أبوية توحى لك بأن البلد كلها ملكك بشعبها وأرضها وخزائن ثرواتها/ إنت حامل المفاتيح وخاتم التصاريح بالثروات/ ومن يقدر على محاكمتك؟

مبارك كان من هذه السلالة، لكنه أيضا كان محكوما بعقلية وقلب وروح موظف مغرم وقادر على «تستيف» الأوراق.

وبالنسبة إلى دولة ترى أن التزامها بالقانون يعنى «تستيف الأوراق» فإن الحكم فى القصور الرئاسية يعتبر رغم إرادة مَن يتحكم بخيوط اللعبة، علامة فى طريق جديد.. للرقابة على «الرئيس..».

ولهذا أهدى غدا لكل عشاق زمن اللصوصية الجميل، الذين يفتقدون «يوما من أيام مبارك»، والذين ينفخون رائحتهم العفنة فى وجوه الناس، احتقانا وضغينة على فقدانهم شبكات النفخة الاجتماعية والمالية، إلى هؤلاء أهدى حكاية من حكايات القاهرة اعتمدت فيها عن تحقيق ممتاز لحسام بهجت من ملفات قضية القصور الرئاسية وبطلها المقدم معتصم فتحى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لصوص فى القصر لصوص فى القصر



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib