اسرقها وتوكَّل

اسرقها.. وتوكَّل!

المغرب اليوم -

اسرقها وتوكَّل

وائل عبد الفتاح


أنبش فى هذه الحكاية لعدة أسباب:

1- أن هناك مشروعا الآن لإعادة ترميم متحف محمود خليل وحرمه.

2- الترميم ومن سوابق مفجعة هو مجرد إعادة طلاء الواجهات أو ترخيم (من الرخام) الأبنية، وليس إعادة بناء تاريخ وروح تراكمت تحت خرابات البيروقراطية العطنة.

3- الأمر ليس متحفا تعرض فيه لوحات أو تواريخ بليدة، لكنها ذبذبات تعيش المدن عليها.

4- قوارض الدولة التى التهمت التاريخ فى سجلات حكومية أو بالجهل الفخور بعصاميته، تقتلنا فى العمر ألف مرة، وما زالت كل الأمور فى أيديها.

5- غارات داعش فى تدمير رسائل الناس التى عاشت قبلنا مفهومة ويمكن التصدى لها، أما غارات القوارض المتوحشة التى تلتهمنا ببطء فتحتاج إلى انتباه من نوع آخر.

والآن إلى حكاية اللص الوطنى الطيب..

لصوص طيبون، هذا ما تحلم به أحيانا عندما تغلق السموات أبوابها عن أمنيات صعبة، وتصبح الأرض ملعبا لمباراة فوق طاقة البشر المستسلمين للأقدار، استسلام الانتهازى المتواطئ الباحث عن فرصة. هنا يظهر اللص الطيب كفيلسوف أو حكيم غادر موقعه ليدخل فى اللعبة، ولا أعرف من أين أتت الحالة التى جعلت قطاعا لا بأس به ينتظر أن يكون اللص الذى سرق لوحة زهرة الخشاش وطنيا. يصحو ضميره ويعيد اللوحة إلى متحف محمد محمود خليل الذى تبرّع بالقصر إلى الدولة، والدولة حوّلته إلى جنة اللصوص، كما ظهر عندما سرقت أغلى لوحة فى العالم بطريقة بدائية أو بطريقة أوحت بأنها خطة رأس كبير من رؤوس نظام مبارك الذى سقط بعد عملية السرقة بفترة قصيرة جدا.

محمد محمود خليل، نفسه شخص غريب من نوعه، كان وزيرا للزراعة فى حكومة النحاس، ورئيسا لمجلس الشيوخ مرتين، لكن شهرته كانت فى الفن، والهوس بتلك الطاقة التى تجعل قطعة قماش أو خشب أو ورق، نابضة بالحياة.

الباشا المهووس بالفن تبرّع بالقصر والرئيس حوّله إلى مخزن، وليس غريبا هنا أن يسرق اللصوص نفس اللوحة مرتين، بينما الموظفون بدم بارد يقولون إن الكاميرات معطلة، لماذا فتحتم المتحف دون كاميرات؟ وكيف عبر اللص الحواجز بمشرطه؟

اللصوص كما بدوا فى قصة سرقة زهرة الخشخاش هم الظرفاء الوحيدون، اختاروا توقيتا غريبا لسرقة لوحة فان جوخ الشهيرة فى عز الظهر، حسب التعبير المصرى الذى يشير إلى أنها لم تكن سرقة معتادة، تتم فى سترة الليل وعتمته، ولكن فى وضح النور الساطع، وتحت أعين لم يرهقها بعد تسلل النوم.

هل اختار اللص الوقت؟ هل كان واعيا باللحظة التى يعود فيها المصريون إلى القرون الوسطى الحديثة، ويجبرون على الحياة فى رومانسية الشموع (كنا بدأنا وقتها نعرف ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة)، ويمرون بتجربة العطش المفتوح (وكان الماء الذى يصل البيوت يدخل أزمته المستمرة للآن)، والسير فى شوارع معتمة (.. وهذا انهيار مستمر من وقتها)؟

اللص ظريف، ولديه حس مصرى ساخر، وإن لم يكن مصريا، يعرف جيدا أن المصرى فى رمضان كسول، مشغول برغبات حائرة، ومحاصر بمسؤوليات تتضخم بشكل خرافى، ولا ملجأ من كل هذا إلا الهروب إلى مزيد من الإفراط فى العبادة، اختار اللص وقت صلاة الظهر، ليقيم مسرح جريمته، احتفالا بالخروج الثانى للوحة.

"زهرة الخشخاش" اختفت فى منتصف السبعينيات، وعادت بشكل غامض، والبعض ما زال متأكدا أن النسخة العائدة مزورة، وأن الأصلية ما زالت لدى سارقها الأول.

العبث اكتمل فى لحظة وصول النائب العام إلى المتحف، وانهيار تمثال كيوبيد الموضوع فى المدخل، التمثال تحطم إلى قطعتين حزنا على اللوحة ، كما سخر المتابعون لتسلسل قصة زهرة الخشخاش .

اللص الطريف ما زال يستمتع حتى الآن بكل الروايات المتضاربة، وغالبا لن تستيقظ الروح الوطنية عنده كما حدث فى فيلم حرامية فى تايلاند ويعيد اللوحة بعد بيعها.. إنه سيبيعها إلى مَن يعرف قيمتها أو على الأقل ثمنها، وهو فاز بلذة المغامرة.. مغامرة سرقة غارقين فى بركة تتسع كل يوم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اسرقها وتوكَّل اسرقها وتوكَّل



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib