تنظيم للتظاهر أم تحريم له

تنظيم للتظاهر أم تحريم له؟

المغرب اليوم -

تنظيم للتظاهر أم تحريم له

فهمي هويدي

قانون التظاهر الجديد فى مصر يثير قلقنا ولا يشجعنا على إحسان الظن بما يجرى. أولا بسبب السياق الذى صدر فيه، حيث يبدو حلقة فى مسلسل إجراءات تؤسس لدولة أخرى غير تلك التى بشرتنا بها وتطلعت إليها ثورة 25 يناير. وثانيا لمضمونه الذى بمقتضاه تتراجع الثورة كثيرا إلى الوراء على نحو يفقدها أحد أهم مكتسباتها. إذ حين يصدر قانون التظاهر فى اعقاب تمديد فترة الحبس الاحتياطى الذى كان ينص قانون الإجراءات الجنائية على ألا يزيد على ثلاثة أشهر، الأمر الذى يعنى إطلاق مدة الحبس بحيث تصبح أداة ضغط فى أيدى الأجهزة الأمنية، فذلك يعنى أن ثمة تراجعا فى إحدى ضمانات العدالة. وحين يجرى تعديل قانون العقوبات للتوسع فى مفهوم الإرهاب الذى هو فضفاض ومطاط فى الأساس فذلك يفتح الباب لتوجيه التهمة لكل من تسول له نفسه أن يعارض. وحين يقرر وزير العدل إجراء محاكمة 140 متهما فى قضية مسجد الفتح داخل سجن أبوزعبل، فى سابقة هى الأولى من نوعها، فذلك يعنى ان إجراءات وضمانات العدالة تتعرض للعبث والإهدار. وقل مثل ذلك عن إجراء التحقيقات فى أماكن الاعتقال، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية وما يتردد عن منع المحامين من حضور التحقيقات مع المتهمين أو التواصل معهم، وما يشاع عن تعذيب لبعضهم وحرمان البعض الآخر من العلاج والدواء، مرورا بالتوسع فى الاعتقالات والملاحقات الأمنية وانتهاء بالتضييق على المنظمات الحقوقية التى تحاول تقصى حقائق الحوادث الجسيمة التى وقعت جراء فض الاعتصامات بالقوة، ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى. فضلا عن الاعداد غير المعروفة للذين حرقت اجسامهم. حين نصبح فى مواجهة مثل هذه الأجواء التى تضعنا بإزاء مواقف ظننا أننا تجاوزناها بالثورة، وأنها كانت من سمات زمن غابر لن يعود، فمن حقنا أن نستفز ونستنفر وأن نتساءل بصوت عالٍ قائلين: إلى أين نحن ذاهبون؟ ليس سرا أن السؤال يتردد على ألسنة أعداد غير قليلة من الحقوقيين والناشطين المصريين طول الوقت، لكنى أزعم ان طرحه صار أكثر إلحاحا وأوجب بعد الاطلاع على نسخة قانون تنظيم التظاهر التى اعتمدها مجلس الوزراء وقدمها إلى رئيس الجمهورية للتوقيع. وقد قيل لنا إن المشروع له أصل تم إعداده فى عهد الرئيس السابق محمد مرسى، وذلك لا يشفع له من حيث المبدأ، ثم إننى فهمت من المستشار أحمد مكى وزير العدل السابق ان ثمة اختلافات جوهرية بين السابق واللاحق، وان الأخير حفل بالضوابط والقيود التى حاصرت حق التظاهر السلمى حتى أفرغته من مضمونه وحولته إلى قانون لتحريم التظاهر وليس لتنظيمه. من الملاحظات التى أبداها المستشار مكى، ان القانون الجديد ابتدع تصنيفات للتحركات الجماهيرية. ففرق بين الاجتماع العام والموكب والمظاهرة، وحظر ممارسة تلك الانشطة كلها فى أماكن العبادة. فى حين ان المشروع السابق أجازها، واشترط فقط الا تتجاوز الحرم المخصص لتلك الأماكن. الأخطر من ذلك ان القانون الجديد حظر الاعتصام أو المبيت فى الأماكن العامة تحت أى سبب. كما عاقب بغرامة بين ألف وخمسة آلاف جنيه كل من قام بتنظيم اجتماع عام أو موكب أو مظاهرة دون اخطار الجهات المعنية بذلك، فى حين ان المشروع السابق خلا من العقاب فى هذه الحالة، الامر الذى فهم منه ان الأصل هو الاباحة. فى القانون الجديد نص يبيح للمحافظ أن يحدد اماكن للمظاهرات والمواكب وأعطاه الحق فى أن يبين الحدود القصوى لأعداد المجتمعين، وحظر عليهم فى هذه الحالة التحرك خارج نطاق تلك الأماكن، فى حين أن القانون السابق كان خلوا من فكرة تحديد أعداد المتظاهرين. بل إنه نص على جواز تحديد أماكن للتظاهر دون إخطار. فى القانون ايضا تحديد لحرم أمام الاماكن العامة يجوز التظاهر فيه، حده الأدنى مائة متر والأقصى ثلاثمائة، وهو ما يمنع التظاهر عمليا امام العديد من الجهات التى لا تتوافر فيها مثل هذه المساحات. فى حين أن المشروع السابق كان يسمح بالتظاهر فى منطقة الحرم دون حد ادنى بحيث يبدأ من متر وحتى 300 متر. انتقدت المنظمات الحقوقية المصرية المشروع الذى اعد فى عهد الدكتور مرسى، ولم يقدر له ان يرى النور رغم ارساله إلى مجلس الشورى لمناقشته. اما المشروع الجديد الذى وضع قيودا شديدة على التظاهر ومنع الاعتصام فقد تعذر إيقافه، وإنما تم تمريره أمام مجلس الوزراء بفضل الضغوط الأمنية التى مورست وألغت أى تأثير للقوى الليبرالية التى سلمت بالامر. الا ان ذلك لم يغير شيئا من المخاوف المثارة وانما جدد السؤال القلق حول المسار والمآلات التى تنتظر البلد فى ظل استمرار تلك الخطى، الامر الذى يقرب إلى الأذهان جمهورية الخوف، ويجعل من الجمهورية المدنية الديمقراطية حلما بقى عالقا فى الفضاء، ولم يقدر له ان ينزل على الأرض بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تنظيم للتظاهر أم تحريم له تنظيم للتظاهر أم تحريم له



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 16:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر
المغرب اليوم - تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib