الخط الأحمر

الخط الأحمر

المغرب اليوم -

الخط الأحمر

فهمي هويدي

أحذر من الدببة الذين نصَّبوا من أنفسهم حماة للجيش ودعونا إلى تقديسه، فأساءوا إليه من حيث لا يحتسبون، إذ زعموا تارة أنه «فوق الجميع» وحدثونا تارة أخرى عن أنه يمثل «خطا أحمر» لا يجوز الاقتراب منه ناهيك عن تجاوزه، وقرأنا أن منهم من طالب «بقطع لسان» كل من داس للجيش على طرف أو ذكره بغير المديح والإجلال. وقال قائلهم إن أى ذكر من ذلك القبيل يعد إهانة له وإهدارا لثوابت الأمة. لم أجد فرقا بين هؤلاء وبين دراويش الكمالية فى ثلاثينيات القرن الماضى. حين كان غلاتهم يعتبرون المساس بالذات الإلهية من قبيل ممارسة حرية الرأى، فى حين اعتبروا توجيه أى نقد «للغازى» مصطفى كمال أتاتورك مساسا بالثوابت الوطنية ينبغى أن يقابل بكل حزم، كانوا معذورين آنذاك، فذلك المجتمع المحارب بطبعه وجد فى الغازى مصطفى كمال الرجل الذى حقق له أمله وجسد كبرياءه، حين قاد فى عام 1920 حركة المقاومة الوطنية ضد جيوش الاحتلال التى توجت بتحرير الأناضول واسطنبول ومن ثم أنقذت الدولة من الانهيار. ولأنه قاد حرب التحرير فقد أصبحت رئاسة الأركان العامة هى مركز القرار السياسى فى الداخل والخارج، حتى إنه فى دستور عام 1921 أصبح مصطفى كمال هو القائد العسكرى العام، ورئيس مجلس النواب ورئيس هيئة الوكلاء التنفيذيين (مجلس الوزراء)، وجرى تحصينه ضد المساءلة أمام مجلس النواب، وبذلك جمع الرجل بين السلطات العسكرية والسياسية والتشريعية وأصبح معلوما للكافة أن الجيش يحمى الدستور والدستور يحمى الجيش، على نحو كاد يوحى بأنه ليس فى البلد سوى الجيش. بعض صفحات هذا التاريخ أصبحت الآن موضوعا للتندر بين الأجيال الجديدة للمثقفين الأتراك. صحيح أن الجيش لايزال له احترامه هناك، ولكن الممارسة الديمقراطية نزعت عنه هالة القداسة التى أضفاها عليه البعض. وأصبح الآن يعامل بحسبانه مؤسسة وطنية شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة، وليست متعالية فوق ما عداها. وهو ما تجلى ليس فقط فى تراجع الدور السياسى لرئاسة الأركان، لكنه تجلى أيضا فى إخضاع ضباط القوات المسلحة وقادتها للقوانين الحقوقية المقررة فى البلاد. وهو ما أدى إلى محاكمة نحو 300 من العسكريين بتهم التآمر ضد الحكومة، وقبل أسبوعين ــ فى 10/10 ــ أيدت محكمة الاستئناف أحكام السجن لمدة 20 عاما بحق ثلاثة من أولئك القادة بعد إدانتهم فى جريمة التآمر التى ارتكبوها قبل 10 سنوات. من الأمور المثيرة للدهشة حقا، الدالة على الخلل الفادح فى ترتيب الأولويات، أن الجدل فى وسائل الإعلام حول الغيرة المفتعلة على كرامة الجيش بما استصحبه من مزايدات وترهيب، أخذ حظا من الاهتمام تجاوز بكثير أى قضية حيوية فى مصر. فقد سكت الجميع على إعداد الدستور الجديد فى السر، ولم ينشغل أحد بقضية العدالة الانتقالية المعلقة، ولم يفهم أحد لماذا يصدر قانون جديد للإرهاب، فى حين أن ما هو قائم بالفعل يؤدى الغرض وزيادة. ولايزال ملف انتهاكات حقوق الإنسان والمحاكمات العسكرية للمدنيين مؤجلا. كما أن ما يجرى فى سيناء لايزال بعيدا عن اهتمام الرأى العام، فى حين أن أهالى سيناء يضجون بالشكوى من المداهمات والاعتقالات والاجتياحات التى تتعرض لها قراهم، ولا يجدون أذنا تصغى إليهم أو يدا تضمد جراحهم. إننى أخشى أن نكرر خطيئة مبارك، حين جمد كل شىء فى البلد طوال السنوات العشر الأخيرة من حكمه، لكى ينصرف إلى ترتيب مستقبل ابنه وتوليه السلطة من بعده. وهو ما يفعله المزايدون والمهللون والمهووسون هذه الأيام، حين يؤجلون كل شىء يخيروننا بين أن نشارك فى حملة مديح الجيش وتسويق الفريق السيسى أو أن نصمت. وجزاء الذين يفتحون أفواههم بما يخالف هذا السيناريو أن يتعرضوا للتشويه والتخويف والتخوين. مثلما استفزتنى مقولة أن الجيش ينبغى أن يكون فوق الجميع، فقد أثار استيائى أيضا ذلك الادعاء بأن الجيش خط أحمر، ذلك أننى أزعم أن الخط الأحمر الحقيقى الذى ينبغى ألا نختلف عليه هو كرامة المواطن التى باتت تشكل علامة استفهام كبرى فى الوقت الراهن. أما أن يكون الجيش بمثابة خط أحمر يتفرد به بالمقارنة ببقية المؤسسات الوطنية فذلك تمييز لا مسوغ له، وتزيُّد لا محل له. لأن احترام مؤسسات الدولة ينبغى أن يظل من مسلمات ومقتضيات إقامة الدولة المدنية التى توقف الحوار بشأنها حتى نسيها كثيرون فى غمرة الصراع حول الأنصبة والحظوظ السياسية. أليس غريبا بعد مضى نحو ثلاث سنوات على الثورة أن نبذل جهدا لإقناع الرأى العام بأن المجتمع لم يسقط دولة الشرطة فى عهد مبارك لكى يقيم بدلا منها دولة الجيش؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخط الأحمر الخط الأحمر



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 05:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
المغرب اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 16:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر
المغرب اليوم - تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر

GMT 10:20 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
المغرب اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib