قاوم

قاوم

المغرب اليوم -

قاوم

عمار علي حسن

لا يسمع الناس كثيرا عن المقاومة إلا بُعيَد الحروب وأثناءها وأيام الاحتلال وكذلك فى معرض الرد العملى على التسلط والاستبداد، مع أنهم لو أمعنوا النظر فى حياتهم، وفى مفردات الطبيعة، وكل شىء يجرى ويتم حولهم، بأيديهم أو بصنع غيرهم، لاكتشفوا أن الحياة نفسها خيار ناصع جلى للمقاومة. فنحن نحيا لنقاوم الفناء، ونتوالد ونتكاثر لنقاوم الانقراض، ونتكلم لنقاوم الصمت، ونتعلم لنقاوم الجهل، ونتداوى لنقاوم المرض، ونكدح ونكسب لنقاوم الفقر والعوز، ونفرح لنقاوم الحزن، ونعمر لنقاوم الخراب، ونبنى لنقاوم الهدم، ونجمل أنفسنا وما حولنا لنقاوم القبح، ونقبض على الحق لنقاوم الباطل فيزهق أو يتقهقر، ونفعل الخير لنقاوم الشر الطافح فى كل مكان وفى أى لحظة. وجسدنا نفسه يقاوم بعضه بعضا، فالمخ يكبح جماح الغرائز والعواطف إن تعدت حدودها الطبيعية، والعاطفة تناضل ضد التبلد والتحجر الذى يجعل الإنسان يشبه الجماد، وضد التجرد الذى ينزع عن الإنسان مشاعره الفياضة ويحوله إلى آلة، وجهاز المناعة يقاوم المرض، فتدخل كرات الدم البيضاء فى معارك حامية ضد الميكروبات والجراثيم حتى تتغلب عليها أو تهلك دونها، والكبد يكافح ضد السموم التى تتسرب إلى الجسم مع المأكولات والمشروبات والتنفس، والإرادة التى هى طاقة تمتزج فى صناعتها كل قوى الجسد، المحسوسة واللامحسوسة تقاوم أسباب القعود والرضوخ والتراخى والتفلت كافة. وكل تقدم حققه الإنسان فى هذه الحياة قام على أكتاف المقاومة، التى تبدأ بكلمة «لا» الرافضة لقبول الأمر الواقع إن كان متخلفا أو مهينا أو كريها. وكل ما يجرى حولنا نبت من رحم المقاومة، فالإنسان قاوم التصاقه الدائم بالأرض وجاذبيتها القوية فحاول أن يطير، وراح يجرب الطيران من دون كلل ولا ملل، ابتداء من عباس بن فرناس الذى ثبت أجنحة فى جسده وانتهاء بالمركبات الفضائية التى تجول على الكواكب مرورا بالأخوين رايت اللذين اخترعا طائرة بدائية بسيطة، هاهى تتطور حتى تصل إلى الحال التى هى عليها الآن، فى مقاومة لسلطان المكان على الناس. وقاوم الناس المسافات الطويلة بين القارات الست بثورة عارمة فى مجال الاتصال، حولت العالم بأسره إلى قرية صغيرة. وبالطريقة نفسها تقاوم كل الكائنات، فالنمل يقاوم البرد بتخزين قوته أيام الصيف، والأرانب البرية تقاوم أعداءها من الحيوانات المفترسة بحفر الجحور الطويلة فى الأرض، والقنفذ يقاوم بشوكه الأفواه المتأهبة لالتهامه، والسلحفاة تقاوم بجلدها السميك، ويقاوم الجمل نعومة الرمل بخفيه الطريين المفرطحين القويين فى الوقت نفسه، وفى المياه الدافقة تقاوم بعض الأسماك الصغيرة والرخوة بضخ شحنات كهربائية تبعد عنها الأسماك الكبيرة، أو تحتمى بالصخور البحرية المستقرة فى الأعماق. والأمر نفسه ينطبق إلى حد كبير على الجماد، فالشادوف يمتلئ بالماء ويقاوم كتلة الحجر المثبتة فى الطرف الآخر، وهذه الحال متكررة فى كل الروافع، فهناك ذراع القوة وذراع المقاومة، وكلما كان الأول أقصر من الثانى سهلت المهمة على الإنسان، والعكس صحيح تماما، وتتعدد أنواع هذه الروافع، فتتوزع عليها الأدوات والآلات التى نستخدمها فى حياتنا اليومية، وتقع عليها أعيننا فى كل مكان، وفيها جميعا تتجلى كل معانى المقاومة. والحياة كلها يترتب بعضها على بعض أو يقاوم كل منها الآخر، فيدفع الله الناس بعضهم ببعض حتى لا تتهدم صوامع وبيّع، وتتغذى الحيوانات فى الغابات على بعضها البعض، وكذلك الحشرات والطيور والزواحف، حتى لا يختل التوازن البيئى، ويتدخل الإنسان ليحمى الأرض الخصبة من التصحر، ويمنع الأطعمة من التعفن بالتبريد والتمليح والتسكير والتجفيف والتدخين والتخليل. وهناك قول مأثور منسوب إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه يجيب فيه عن سؤال حول أشد جند الله فيقول: الجبال، والجبال يقطعها الحديد، فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد، فالنار أقوى، والماء يطفئ النار، فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء، فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب، فالريح أقوى، والإنسان يتكفؤ الريح بيديه وثوبه، فالإنسان أقوى، والنوم يغلب الإنسان، فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم، فأقوى جند الله الهم يسلطه الله على من يشاء. وهذا الترتيب العجيب الذى يتداخل فيه المادى مع المعنوى يتأسس على المقاومة، فكل شىء يدفع ما قبله، فى سلسلة قد تستدير فى حياتنا الدنيا ولا تنتهى، إذ يمكن مقاومة الهموم بالاستغراق فى عمل مضن وشاق، ينجذب إليه كل كيان الإنسان تماما، وقد يكون هذا العمل هو تفتيت الصخر، وتكسير الأحجار، كما يفعل السجناء، فنعود إلى النقطة الأولى، ونبدأ منها دائرة دنيوية جديدة، تنطوى على أشكال وصنوف ودرجات لا تنتهى من المقاومة. قاوم فأنت بالمقاومة إنسان. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قاوم قاوم



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib