الحاجة إلى قائد

الحاجة إلى قائد

المغرب اليوم -

الحاجة إلى قائد

عمار علي حسن
القائد غير الرئيس، فالقادة قد لا يكونون فى كل الأحوال رؤساء، أى لديهم موقع رسمى وسلطة تحددها قوانين وتشريعات، ومن الممكن أن نجد شخصاً فى مجتمع معين متواجد خارج الهياكل الرسمية لكن دوره فى صناعة واتخاذ القرار كبير، أو له من الصيت والهيبة ما يجعل متخذ القرار يراعى موقفه ورأيه حتى ولو لم يرجع إليه مباشرة. وقد يحدد السياق أو تتحكم الظروف فى إنتاج القائد الذى يناسبها. ففى أيام الحروب والأزمات السياسية الحادة والطاحنة يولد الأبطال التاريخيون فى حياة الشعوب، وفى الأيام التى تعانى فيها المجتمعات من انقسام داخلى وفتنة أو وقوف على حافة الاحتراب الأهلى يولد الوسطاء والمفاوضون، الذين يطرحون الحلول الوسط، ويقربون بين الفرقاء المتصارعين، ويجذبونهم إلى منطقة للتلاقى، تمنع انفجار الوضع، وتعيد الاستقرار. والقيادة ضرورة لأى مؤسسة أو منظمة، صغرت أم كبرت، وهى متواجدة فى أى مجتمع، بدائى أم حديث، ولا يمكن أن تكون هناك قيادة بلا أتباع. لكن القيادة صعبة وليست غريزة عامة بين الناس، ولا يتصدى لها إلا من يقدر عليها. فالقائد عليه مسؤوليات والتزامات حيال الجماعة التى سيدته، أو المؤسسة التى رفعته، قد تمكنه من أن يعيش حياة طبيعية كالأفراد العاديين، وأن يتحمل النقد اللاذع لأقواله وأفعاله دون تبرم، وأن يعتبر هذا حقاً لأتباعه، إن كان قائدا ديمقراطيا، ولذا يفضل البعض عدم التصدى للعمل العام، خوفا من النقد أو المساءلة أو ارتباك العيش، والجور على الحياة الشخصية. وقد تكون القيادة حاجة نفسية عند بعض الشعوب، أو لدى شعوب فى بعض الظروف، حيث يتماهى الناس فى شخص الزعيم، يصدقونه ويتبعون خطاه. ويختلف نوع التماهى أو سببه أو تبريره من مجتمع إلى آخر، ففى المجتمعات الإقطاعية ينظر إلى القائد باعتباره «السيد المطاع»، وفى المجتمعات الحديثة يرونه إما واحدا منهم، ينتمى إلى خلفيتهم الاجتماعية ويؤمن بأشواقهم إلى العيش الكريم، ويحمل مطالبهم، ويسهر من أجل تحقيقها، أو أنه شخص ذكى بارع فى فعل كل ما يجلب لهم منفعة. والقائد هو شخص يحتل موقعاً بارزاً ويمارس دوراً محورياً بالنسبة لتابعيه، وله باع طويل من النفوذ بينهم والسيطرة عليهم. والقيادة هى ممارسة السلطة، والتأثير فى نطاق علاقة اجتماعية معينة، وتكون لفرد فى الجماعة أو أكثر، يحوزون القدر الأكبر فى تسيير الأنشطة، والتحكم فى المعلومات واتخاذ القرارات. وليس كل القادة لهم السمات والخصائص والأدوار ذاتها، بل يختلف الأمر ليس وفق قدرات القائد فحسب، بل أيضا السياق الذى يحكمه والتنظيم أو الجماعة التى يقودها. ومن هذه الزاوية ينقسم القادة إلى ثلاثة أصناف، أولها القائد البيروقراطى، وهو شخص يمارس مهامه عبر تسلسل هرمى أو سلطة «مكتبية» متدرجة، ويكون نفوذه على أتباعه مستمدا من القوانين واللوائح التى تحكم العلاقة معهم، وتعطيه سلطة العقاب والثواب. لكن هذا لا يمنع من أن يتمتع بعض القادة الإداريين بسمات شخصية، تجعل مكانتهم وهيبتهم غير مستمدة فى كل الأحوال من النفوذ الرسمى الممنوح ابتداءً لأصحاب المناصب العليا. والثانى هو القائد الديمقراطى، الذى يشرك من هم دونه فى صناعة القرارات، لاسيما تلك التى تؤثر تأثيرا بالغا على تواجد الجماعة ومصلحتها، ولا يقوم القائد بهذا مكرها إنما عن اقتناع بحق الآخرين فى تحديد المسارات وتقرير المصائر. وفى بعض الأحيان تكون البيئة المحيطة بالقائد تسلطية، وتكون القوانين مفصلة لصالحه أو تعطيه صلاحيات شبه مطلقة أو مطلقة، لكنه يفضل تجنب كل هذا، والعمل بروح الفريق، إيمانا منه بأن هذا هو الأسلوب الأفضل للوصول إلى القرار الرشيد. أما الثالث فهو القائد المتسلط، الذى يمتلك ويمارس سلطة مطلقة على أتباعه، فلا يشاورهم أو يرجع إليهم فى أمر أو قرار، وهم لا يملكون حياله إلا الطاعة التامة، وبعضهم قد يعتبرها واجباً لا فكاك منه. وأمثلة هذه القيادة يمكن أن نجدها فى نظم الحكم المستبدة، والجيوش، وبعض الشركات، والأسر الممتدة، والتنظيمات الاجتماعية الأولية، التى تعتمد على علاقات القرابة، بل إننا قد نجد أمثلة لهذه القيادة فى نظم ديمقراطية، يخرج فيها القائد على القانون، أو يهمل القواعد التى تهندس علاقته ببقية السلطات، أو بأعضاء الجهاز الإدارى للدولة أو مساعديه، ويتصرف وفق ما يراه هو، لكن القائد وقتها يكون محل نقد واستهجان، وقد تكلفه هذه المغامرة استمراره فى موقعه. وتتفاوت أساليب اختيار القادة السياسيين، فهناك من يصل إلى القيادة لأسباب وراثية مثل ما يجرى فى النظم الملكية والمجتمعات القبلية، وهناك من يحوزها لأسباب دينية، كحال الدالاى لاما فى الصين، لكن الأغلبية تصل إليها عبر طريق سياسى طويل، يحتاج إلى جهد وعرق وتفكير، كأن يترقى الشخص داخل حزب سياسى أو تنظيم اجتماعى، ويخوض منافسات شرسة من أجل هذا الترقى، حتى يصل إلى قمة الهرم، وينطبق الأمر نفسه على الحياة العسكرية، حيث يبدأ الضابط رحلته من رتبة صغرى، ويترقى تباعا، ويظفر فى النهاية بالقيادة، بعد أن يكون قد تغلب على كثيرين فى طريقه، بتصرفات مختلفة. وخلاصة هذا الطرح النظرى عبارة واحدة: لدينا رئيس، لكننا نفتقد إلى القائد، وهذا جزء كبير من أزمتنا، وسبب لتعثر ثورتنا حتى الآن. نقلاً عن جريدة " المصري اليوم " .

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحاجة إلى قائد الحاجة إلى قائد



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib