الثورة لدى نجيب محفوظ 2

الثورة لدى نجيب محفوظ (2)

المغرب اليوم -

الثورة لدى نجيب محفوظ 2

عمار علي حسن
  لكن ثورة 19 العظيمة لم تلبث أن تخبو فى ذهن أبطال روايات وقصص نجيب محفوظ، بل يشعر بطلها الأول وزعيمها سعد زغلول، بأن كل شىء يتسرب من حوله. ويستدل على هذا من حديث الكاتب عامر وجدى أحد أبطال «ميرامار» وهو يتذكر حوارا دار بينه وبين سعد عام 1925، حيث يقول له: «ها أنا شبه سجين فى بيتى وعرائض التأييد تزف إلى الملك»، وحين يواسيه قائلا: «زيف وكذب يا دولة الزعيم» يرد سعد متحسرا: «حسبت الثورة قد طهرت النفوس من ضعفها». وفى كتاب «فى حضرة نجيب محفوظ» ينقل محمد سلماوى عن أديبنا الكبير أنه شارك فى المظاهرات التى أعقبت ثورة 19، وكانت أول مظاهرة شارك فيها هى التى اندلعت فى ركاب الخلاف بين سعد زغلول والملك فؤاد عام 1924، وكان عمر محفوظ يومها لا يتعدى ثلاثة عشر عاما. والمرة الثانية كانت عام 1929 أثناء حكومة محمد محمود الثانية، وطارده ضابط هو وصديقه فلاذ محفوظ ببيت الأمة. والثالثة كانت ضد إسماعيل صدقى، وتعرض لمطاردة أيضاً لكنه هذه المرة لاذ ببيت فى حارة ضيقة، وتمكن من الهرب إلى سطح بيت مجاور. أما فى ثنايا النص السردى فإن محفوظ يتذكر كل هذا فى الحلم الثامن من «رأيت فيما يرى النائم» حين يقول البطل: «رأيت فيما يرى النائم أننى عيسى بن هشام بطل مقامات الهمذانى ومريد أبى الفتح السكندرى، وأننى أعبر ميدانا فى مكان وزمان غامضين، وترامى إلىّ هتاف مدو بحياة الاستقلال وسقوط الحماية، ثم وجدتنى على حافة مظاهرة ضخمة تحدق بخطيب مفوه جهير الصوت، عرفته رغم بعده عنى بزيه الأزهرى وهو يمدد داعيا للثورة والفداء. وهجم الفرسان الإنجليز فنشبت معركة ثم وجدتنى وجها لوجه مع الخطيب قريبا من مدخل جامع. قلت له: أنت أبوالفتح السكندرى خطيب الثورة الحرة. فقال بحزن ملتهب: نفوا الزعيم الجليل نفاهم الله من الوجود». ومع هذا تبدو الثورة فى نظر محفوظ أحيانا نوعا من الجيشان العاطفى الذى لا يبحث عن معقول ولا منطق، إنما يستجيب لنداء الرغبة العارمة فى التمرد والتحرر وكسر القيود. ونفهم هذا من الحوار الذى دار بين ابن وأبيه فى «حكايات حارتنا»، فالولد اشترك فى المظاهرة من دون أن يعرف هدفها وغايتها ومسارها ومطالبها. فحين يسأله الأب: «هل عرفت وجه الخلاف بين سعد والملك؟» فيرتبك، ثم يأتى بإجابة عابرة لا ترد على السؤال مباشرة: «نحن مع سعد ضد الملك»، فيرد الأب: «عظيم. ماذا كان هتافكم فى عابدين؟»، فيجيب: «سعد أو الثورة»، فيسأله: «ما معنى ذلك؟»، فيصمت ويطرق مفكرا ثم يقول: «معناه واضح. سعد أو الثورة». وتذهب ثورة 19 بأيامها المستقرة فى أعماق محفوظ ليجد نفسه بعد ثلاثة وثلاثين عاما أمام ثورة جديدة، وقف على مسافة منها، ولم يعلق عليها آمالا، ولم ير فى زعمائها ما رآه فى سعد زغلول، بل انعقد لسانه من الدهشة وآثر الترقب، فامتنع عن الكتابة ما يربو على خمس سنوات، ثم عاد ليعمل قلمه فيها ناقدا وناقما ومتسائلا. ويوزع كل هذه المشاعر والمواقف على رواياته «ثرثرة فوق النيل» و«الكرنك» و«قشتمر» و«يوم قتل الزعيم» و«الباقى من الزمن ساعة» و«ميرامار»، متأرجحا بين قديم لا يراه شرا خالصا، وجديد لا يطمئن إليه. أو بمعنى أدق بين شعوره الجارف بالحرية ورغبته الملحة فى تحقيق العدل. ويعبر حوار بين حسنى علام وسرحان البحيرى، من شخصيات «ميرامار»، عن هذا بجلاء: - «نحن مؤمنون بالثورة، ولكن لم يكن ما سبقها فراغا كله. فقال بعناد مثير: - بل كان فراغا. - كان الكورنيش موجودا قبلها، كذلك جامعة الإسكندرية. - لم يكن الكورنيش للشعب، ولا الجامعة». ونكمل غدا إن شاء الله تعالى.   نقلًا عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثورة لدى نجيب محفوظ 2 الثورة لدى نجيب محفوظ 2



GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib