روح مصر 23

روح مصر (2-3)

المغرب اليوم -

روح مصر 23

عمار علي حسن
.. ومن العوامل التى ساعدت على احتفاظ مصر بهذه السمة التاريخية أنها أقدم دولة مركزية فى تاريخ الإنسانية، اعتاد أهلها أن يروها هكذا، وأن يحافظوا عليها كما هى طيلة آلاف السنين، ومن ثم يتنادون جميعا فى لحظة الخطر للذود عنها، حتى تستمر على هيئتها فى خريطة العالم مهما تقدم الزمن. والسؤال الذى يطرح نفسه فى هذا المقام هو: هل لا يزال المصريون جميعا يحتفظون بهذه السمة الحميدة، أم طرأت ظروف مختلفة وجرت مياه آسنة عكرت صفو هذا التلاحم التاريخى؟ إن الإجابة التى تأتى للوهلة الأولى هى أن الجسم الرئيسى فى مصر لا يزال محتفظا بهذه الصفة، وأن التغير طرأ على هوامش المجتمع، ويخص فئات بعينها، طفت على السطح فى العقود الأخيرة، وانحازت إلى مصالحها الخاصة وأهوائها الشخصية، ولم يعد يهمها الاحتفاظ بأى سمة للتماسك والتوحد. وربما لم تقع أحداث كبرى فى مصر منذ حرب أكتوبر عام 1973 نستطيع أن نختبر بها مدى استمرار تجذر هذه السمة، إلا أن ما جرى خلال الزلزال الذى ضرب البلاد فى 12 أكتوبر 1992 دل على أن عوام المصريين لا يزالون قابضين على هذه السمة إلى حد كبير. ومع هذا لا يستطيع أحد أن ينكر أن هذه السمة تعرضت فى العقود الأخيرة لتحديات جسام، نبتت فى قلب الظروف التى طرأت وأدت إلى تفسخ اجتماعى متفاوت النسبة والدرجة، هو من دون شك معول هدم يضرب باستمرار سمة التوحد هذه فى الأوقات الصعبة والمريرة التى تمر بها مصر. وهذا الضرب إن كان قد بدأ نقرا خفيفا، فإنه يتصاعد بمرور الأيام ويصير طرقا قويا يهز الأسماع، ومن ثم يصبح تأثيره قويا على الكثير من الروح المصرية الفريدة، التى لا تقتصر فقط على التلاحم وقت الشدة، بل أيضا القدرة الفائقة على صهر الغريب والوافد وهضمه وإعادة إنتاجه أو إخراجه فى صيغة مصرية خالصة، وذلك فى تواصل تاريخى فريد، لم يخف على كل ذى بصيرة نيرة وعقل فهيم. وقد عبر المؤرخ الإنجليزى إدوارد لين عن هذا الموقف بقوله: «مصر وثيقة من جلد رقيق، الإنجيل مكتوب فيها فوق هيرودوت، وفوق ذلك القرآن، وتحت الجميع لا تزال الكتابة القديمة تقرأ بوضوح وجلاء». والعوامل الثلاثة التى طرأت على الحياة العامة فى مصر، ونالت من هذه السمة، تتمثل فى الانفتاح الاقتصادى غير المدروس، وهجرة المصريين إلى الخارج فى ظاهرة فريدة وجديدة على الإنسان المصرى، وإبرام اتفاقية السلام مع الكيان الصهيونى؛ فالانفتاح كان عشوائيا ومن دون ضوابط ولا روابط، إلى درجة أن الكاتب المعروف أحمد بهاء الدين وصفه بأنه «السداح مداح»، وهو تعبير مصرى يعنى اختلاط الأمور وغلبة الفوضى عليها؛ ففى غمرة تراخى الدولة وتشجيع بعض أجنحتها لمسارات غرائزية ومسالك غير قانونية، انقلبت الأوضاع، وصعدت إلى قمة الهرم الاجتماعى طبقة طفيلية، تحوز المال وتعوزها الثقافة والتحضر والقيم الأخلاقية والروح الوطنية التى تنبع منها. ومثل هذا الوضع خلق حالة من الصراع الاجتماعى الخفى فى سبيل حيازة الثروة بأى طريقة، لم يلبث أن ارتفع صوته، وصار يصم الآذان، ويرج أنماط الحياة رجا. نقلًا عن "الوطن" المصرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

روح مصر 23 روح مصر 23



GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib