جهة الشرق : إبن عيسى
أصبح محمود التغدويني، حديث الصحافة الهولندية والعالمية، خلال الآونة الأخيرة، بعد أن تحول من "مشروع انتحاري"، بسبب تشبّعه بالفكر الجهادي، إلى أحد أبرز الوجوه الداعية إلى مناهضة التطرف. و"التغدويني"، البالغ من العمر30 عامًا، هو ابن لأسرة مسلمة، هاجرت من دوار تغدوين، في جماعة بني حذيفة، التابعة لإقليم الحسيمة، شمال المغرب، إبان موجة الهجرة التي شهدتها المنطقة نحو أوربا، بحثًا عن سبل العيش الكريم، وعاش طفولته مع عائلته في بلاد المهجر، كأي طفل "مغربي – هولندي".
وكانت مرحلة المراهقة نقطة تحول في حياة "التغدويني"، حيث بدت علامات الانعزال والتغيّر تظهر على سلوكياته، بسبب ميوله نحو التطرف، وإطلاعه، عبر شبكة الإنترنت، على أفكار رادكالية، تتضارب مع هويته "المغربية – الهولندية"، ومع التفجيرات التي هزت الولايات المتحدة الأميركية، سنة 2001، وما تلاها من أحداث، وبالأخص غزو العراق، كان "التغدويني" مهيئًا لتبني الفكر الجهادي، دون شروط.
التوجه الجديد لـ"التغدويني" أدخله في دوامة من الانعزال، حيث إنقطع عن الدراسة، وغيّر هندامه، من الشكل الهولندي الشبابي، إلى اللباس الأفغاني القصير، وكرّس كل وقته لتصفح المنتديات التابعة للتنظيمات الجهادية، على شبكة الإنترنت، مُستلهماً منها أسس توجهه الجديد. وهكذا تغيرت نظرت "التغدويني" إلى المجتمع، ومحيطه العائلي، من نظرة تسامح وانسجام، إلى نظرة تكفيرية، تسببت له في صراعات عدة، خاصة مع أفراد أسرته، وصلت إلى حد التهديد بالانتحار، عندما خيّر عائلته في إحدى الحفلات بين إطفاء الموسيقى، أو الرمي بنفسه من إحدى نوافذ المنزل.
ومع مرور السنين أصبح متعطشًا إلى "الجهاد"، و مقتنعًا بضرورة السفر إلى بؤر التوتر في الشرق الأوسط وأفغانستان، لمساعدة "إخوانه وأخواته المسلمات"، وهكذا أعد العدة لمغادرة أوروبا للقتال، إلا أن والدته، فاطمة بن عياد، علمت بمساعيه، وطالبته بالعدول عن هذه الفكرة، وأمام إصراره ، قامت بإخفاء جواز سفره، وإخبار الشرطة، التي انتقلت إلى منزل العائلة، وباشرات مصالحها الاجتماعية جلسات مع "التغدويني"، لحثه على التراجع عن أفكاره المتطرفة.
وكانت سنة 2011 نقطة تحول جديدة في حياة محمود التغدويني، فبعد عقد من التطرف والانعزالية والاضطرابات، عاد إلى حضن المجتمع من جديد، وتحول من التطرف إلى نقيضه. وكان ذلك بعد مشاكل صحية طالته، اكتشف على إثرها، بعد التشخيص الطبي، أنه مصاب بمرض سرطان الغدد اللمفاوية، حيث ظل نزيلاً في إحدى المستشفيات الهولندية، لمدة ليست بالقصيرة، تغير فيها كل شيئ، وبدأ يتراجع خلالها عن عدائه لغير المسلمين، بعد أن لامس العناية الفائقة، والاحترام الكبير، من قبل الطاقم الطبي الهولندي، الذي أشرف على علاجه، والذي تعامل معه كإنسان، رغم أنه مسلم، ليطرح السؤال على نفسه: "لماذا لا أستطيع أن أفعل الشيء نفسه؟".
وعاهد "التغدويني" نفسه، وهو على فراش المرض، أن يُغير نظرته إلى من كان يعتبرهم أعداءً، وأن يهدم كل ما بناه خلال عشر سنوات من أفكار التطرف والعدوانية، وأن يتصالح مع نفسه وعائلته ومحيطه، وهكذا باشر الدعوة إلى السلام والإنسانية، ونبذ العنف والتطرف، عبر سلسلة من اللقاءات الصحافية، والندوات، لتوعية الشباب بضرورة التسلح بالعلم والمعرفة والأفكار المتنورة، لكسب مناعة تقيهم من الانجراف مع التيارات الراديكالية، مستعينًا بتجربته الشخصية، التي يحاول إيصال عِبَرها إلى الشباب المسلم في أوروبا.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر