استطاع المغرب بعد وعيه بالمنشأ الأصلي لشجر أركان في أرض سوس، أن يضع مخططا استراتيجيا يكون كفيلا بحماية هذا الموروث النادر الذي أثار اهتماما كبيرا حتى أصبح تراثا عالميا.
والتجأت الدولة المغربية سنة 1995إلى وكالة الدعم التقني الألمانية "gtz"، بهدف إرثاء نموذج فعال وكفيل بتحقيق الحماية المنشودة من خلال مشروع "المحافظة وتنمية أركان".
وباشر المغرب في وضع مخطط تنموي لحماية هذه الشجرة التي تعرضت لمدة طويلة للاستغلال الجائر من قبل رعاة الماشية ومنتجي الحطب والوقود، خاصة أن شجرة أركان هي الشجرة الوحيدة التي تستغل جميع مكوناتها، وهو ما دفع المملكة المغربية إلى دق ناقوس الخطر، بعد التراجع المهول الذي شهدته غابة الأركان.
وسعت وكالة الدعم التقني الألمانية آنذاك لضرورة إقحام النساء القرويات في هذا المشروع لحماية شجرة الأركان، فتم تنظيم حملات تحسيسة وتوعوية للمحافظة عليها، باعتبارها ثروة اقتصادية ستعود بالنفع على ساكني المنطقة.
فكانت أول تعاونية تأسست وفق معلومات مكتب التنمية والتعاون، في إقليم الصويرة تحديدا في منطقة "تافدنا"، ومن خلال هذا التخطيط التنموي والاستراتيجي استطاع المغرب تحقيق المبتغى ألا هو الاعتراف بشجرة أركان كتراث عالمي سنة 1998 من قبل منظمة الأمم المتحدة "اليونسكو".
ورغم المجهودات التي قامت بها الدولة المغربية مع الاتحاد الأوروبي لحماية شجرة أركان من الاستنزاف والتي حققت نجاحا ملحوظا أسهم في تنمية وتحسين وضعية النساء القرويات من خلال المشاريع المندمجة، فإن قطاع التعاونيات النسائية أسفر عن عدة مشاكل أهمها: هيمنة المقاولين والوسطاء على حصة واسعة من السوق الوطنية، وهو ما انعكس سلبا على أسعار منتجات الاقتصاد التضامني، بالإضافة إلى غياب الخبرة لدى الفاعلات الشيء الذي أثر بشكل مباشر على إدارة بعض التعاونيات وتطويرها، زيادة على ذلك التنافسية الداخلية بين التعاونيات والناتجة بالأساس عن عدم توحيد الأثمنة، وكذلك غياب استراتيجية التزود بالمادة الأولية التي أضحى شراؤها حاجة لا بديل عنها، علما بأن التعاونيات النسائية ليس من المفروض عليها شراء المادة الأولية التي أقحمتها المضاربة، مما أدى إلى رفع تكلفتها فأصبحت بذلك في يد أصحاب من يملكون المال.
وفي هذا الإطار تقول فاطمة المحني رئيسة تعاونية أكبار النسوية التي تأسست سنة 2006 في قرية أكبار جماعة دير-إقليم تارودانت: "ما يرهق كاهلنا هو إشكالية تسويق منتوجاتنا أمام وجود شركات تبيع أركان بثمن أرخص، فنجد بذلك أنفسنا لا ربح لنا لا في الثمن ولا في الزبون كما أن المنتوج إذا انتهى أجله يتم إرجاعه لنا في ظل الاحتكار التام للأسواق".
مضيفة: "المبادرة الوطنية لتنمية البشرية نعم أعانتنا في البناء لكن يبقى مشكل التسويق إشكالا محتدما لدى جميع التعاونيات بل حتى النساء القرويات لا يتم موافاتهن بالأجور إلا بعد بيع السلع التي تستغرق مدتها ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر".
وفي السياق ذاته، تقول فاطمة المحني عن فكرة تأسيس تعاونية أكبار إن "تأسيس تعاونية في القرية كان نابعا من طلب نساء قرويات أردن تحسين وضعيتهن الاقتصادية والاجتماعية بعدما علمن بتواجد تعاونيات في القرى المجاورة استفدون من مداخيل مالية عادت بالنفع على أسرهن وأسهمت في تحسين وضعيتهن النفسية والاجتماعية من خلال المنتوج المحلي الذي تزخر به المنطقة، لكن إمكانية الفشل تحيط بنا من كل حدب وصوب".
وتجدر الإشارة إلى أن التعاونيات النسائية المشتغلة في منتوج أركان ومشتقاته تقوم بتسويق منتوجاتها إما لوحدها من خلال علاقاتها العامة مع الزبائن أو عبر اتحادات مهيكلة ومنظمة تتكتل فيها مجموعة من التعاونيات بقصد البيع.
وفي مقابل هذا الوضع يرى محمد إركي، متصرف ممتاز بمكتب التنمية والتعاون بالمندوبية الجهوية في أغادير أن الإشكال الحاصل اليوم يتمثل بالأساس في الكيف والمردودية وليس في النوع، بحيث لم تعد التعاونيات فقط المستأثرة بهذا المجال بل دخل في كنفها قطاع رأسمالي له إمكانات مادية تتيح له الاستثمار في هذا المجال وبالتالي الذي يأخذ القيمة المضافة هو الذي باستطاعته شراء أكبر كمية من المادة الأولية، أما عن النساء القرويات فاستعملن فقط كيد عاملة لدى أصحاب الرأس المال فأصبحن بذلك الحلقة الأضعف في العملية الإنتاجية.
وأبرز محمد إركي في ما يتعلق بإشكاليات تسويق المنتوجات أن المشكل المطروح ليس في التسويق بقدر ما هو إشكال في التنظيم وتطبيق المعايير كما يرى أن التعاونيات عليها التكتل لأن بالتجمع الأحادي للمنتجين ستتحقق المنافسة مع المسوقين، ورغم تكتل التعاونيات كاتحاد تعاونيات نساء أركان "تسالوين" في أغادير واتحاد أركان رودانا بتارودانت ومجموعة ذات النفع الاقتصادي وغيرها لم تستطع تحقيق مداخيل مادية للنساء القرويات.
ويبدو المخطط الموجه لحماية شجر أركان ومبادرة إقحام المرأة القروية كجزء يسهم في التنمية الاقتصادية أبان عن انكفاء ملحوظ وهو راجع بالأساس إلى مشاريع منوطة لحماية شجر الأركان واستغلاله على النحو المطلوب قانونا دون تعسف وليس من الدرجة الأولى هو تحسين الوضعية الاقتصادية للمناطق الفقيرة بجهة سوس ماسة درعة.
وتقول نادية فلواط، رئيسة تعاونية آيت عياد جماعة سيدي موسى الحمري، التابعة إلى إقليم تارودانت: "رزقنا وأملنا في التعاونية والمادة الأولية في ارتفاع ملحوظ والشركات الكبرى تحتكر الأسواق"، مشيرة إلى أن هناك دواوير منهم آيت عياد وآيت بيه.
واعتبر آخرون دخول التجار في هذا القطاع يعد من العوامل المضمرة للنسيج الوطني وللاقتصاد الاجتماعي التضامني، بالإضافة إلى اقتحام صناعات كبرى على القطاع والتي تراهن على الإنتاج والتسويق والتصدير.
وأمام الزحف العمراني وتقلص مجال هذه الشجرة الغابوية سيصبح مصيرها مبهما، فالسؤال العميق الواجب طرحه وهو وإلى أين سيؤول وضع النساء القرويات في المستقبل بعدما شكل لهن منتوج زيت أركان ومشتقاته إمكانات مالية ولو ضعيفة في تدبير أسرهن وتحسين مستوى عيشهن، وإلى أي حد وصل الرهان على تأهيل الاقتصاد الاجتماعي لمعالجة الاختلالات الكمينة به وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وهل سيأتي يوم يتم الأخذ فيه بعين الاعتبار المرأة كمحور داعم وأساسي في معادلة التنمية المستدامة دون انتكاسات واعتبارات سياسية ممنهجة لتمرير خطابات ومشاريع تنموية التي تضع المرأة فقط مجرد ممر لعبور القنطرة.
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر