هل فعلاً انتهى زمن الثورات

هل فعلاً انتهى زمن الثورات؟

المغرب اليوم -

هل فعلاً انتهى زمن الثورات

آمال موسى
بقلم : د آمال موسى

إن ما حصل للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمر صادم جداً، في ظل كل الصدمات التي تلقاها العالم في السنوات والأشهر الأخيرة بشكل مكثف ومستمر. ولعل أهم معنى في حدث القبض على رئيس دولة ونقله إلى الولايات المتحدة لسجنه هو أن لا مجال للمخالفة والمعارضة الدوليتين حالياً. كما أن تمرير هذه الرسالة بصوت عالٍ وأمام عدسات الكاميرات أيضاً إنما يمثل تأسيساً للهيمنة وتأكيدها كواقع عالمي صارخ.

إذن تتمثل الرسالة في ضرورة مراجعة قادة الدول من هنا فصاعداً للخطاب الذي يوجهونه لساكن البيت الأبيض، الرئيس دونالد ترمب. وقبل رفع النبرة عالياً وقول: «لا»، لا بد من دراسة السيناريوهات كافة. يبدو لنا أن الرئيس ترمب يمارس نوعاً من سياسة الردع المباشرة كي يعيد قادة الدول المستهدفة التفكير في الرفض أو الثورة في وجه الولايات المتحدة، حتى لو كانت هذه الثورة من كلام وخطب رنانة لا أكثر ولا أقل.

لنترك حادثة الاختطاف الصادمة جانباً -الصادم فيها ليس التعارض الآيديولوجي بل شكل التعامل الذي جعل من قائد دولة يُنقل من قصره وكأن الأمر يتعلق بنقل شخص عادي خارق للقانون وتطارده الشرطة الدوليّة- ولنطرح سؤالاً حول الثائرين والثورات في الزمن الراهن:

أولاً من المهم تبيان أن توصيف الثورة محاط دائماً بالاختلاف والجدل، لذلك نلاحظ أن التاريخ لم يحتفظ إلا بعدد قليل من الأحداث الكبرى التي نطلق عليها صفة الثورة. وهنا يمكن استحضار الثورة الصناعية والثورة الفرنسية، وهما ثورتان قلبتا العالم والمجتمعات ونمط العيش والعلاقات والقيم؛ الأمر الذي لم يخلق حولهما جدلاً حول ماهيتهما الثورية. فالثورة الصناعية حوّلت البشرية من زمن العمل اليدوي إلى المكننة مع اكتشاف الكهرباء والبخار، وهو ما مهَّد بقوة لظهور الاكتشافات العلمية الكبرى التي غيّرت من طريقة الحياة، وظهرت وسائل النقل الحديثة، وتكاثرت المدن والمناطق الحضرية. وباعتبار أن الثورة الصناعية التي هي نتاج حركة علمية حثيثة انطلقت بقوة من القرن السادس عشر إنما تشكل بمنجزاتها البعد المادي للحداثة. كما أن الثورة الفرنسية مثلت الشق المعنوي والفكري للحداثة حيث كانت النتاج الطبيعي لتراكم الأفكار التنويرية لفلاسفة عصر الأنوار في القرن الثامن عشر.

إذن هاتان الثورتان مثلتا بصمة حقيقية وعميقة وتجاوزتا الحدود التي انطلقتا منها لتأخذا بعداً عالمياً. وهما فعلاً تُعتبران ثورات، لأنهما حوَّلتا الواقع ومفرداته وهندسته بطريقة مغايرة لما سبق. وحتى الأزمات التي عرفتها أوروبا بعد الثورة الفرنسية وظهور نخب في دول أوروبية عدّة التي تريد العودة إلى زمن ما قبل الثورة، فإنها لم تفلح ولم تستطع منع عدوى الثورة من الانتقال إلى بلدانها.

وأوّل ما يلفت الانتباه هو أن الثورات الكبرى حملت لنا ملامح الثورة الحقيقة، ومن هذه الملامح أن الثورة هي نتاج جهد سابق في التاريخ، أي أنها ثمرة ومحركة تاريخية في الوقت ذاته. كما أن هناك ملمحاً آخر مهماً، وهو أنها منتجة. الثورة تنتج زمناً مختلفاً، وإذا لم يحصل ذلك فنحن ربما أمام انتفاضة عابرة.

لنعد إلى حادثة الاختطاف التي بدأنا منها؛ فنحن أمام حرب متقطعة على بقايا الاتحاد السوفياتي سابقاً. فالحرب الباردة حسمها التاريخ بسقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار المعسكر الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. لم نكن في صراع ثوري بل كانت هناك حرب باردة بين الليبرالية والاشتراكية والآيديولوجية الثانية تتميز بطابع ثوري. لذلك فإن النخب الشيوعية ثائرة على القيم الليبرالية ويتميز خطابها بما اصطلح على توصيفه بالثورية.

وإذا ما أمعنا النظر أكثر، فإننا نلاحظ أن الشعبوية استأنفت الظهور بعد ما تُسمّى بثورات «الربيع العربي» التي هي أيضاً محل جدل واسع بين من يعتبرها «ثورة» ومن يعتبرها انتفاضة ضد البطالة وغلاء المعيشة والأفق الوطني المسدود.

لنتذكر جيداً أن مفهوم الثورة له مدلول إيجابي في تمثلات الشعوب؛ لذلك نجد تمييزاً بين الثورة والتمرد، وعادة ما يُعد الثائر شجاعاً وجريئاً ومختلفاً.

هل فعلاً انتهى زمن الثورات؟

نعتقد أن الثورات لا زمن لها بقدر ما هي مرتبطة بواقع الشعوب وطموحاتهم والنسق الثقافي الذي يسوس المجتمعات، وما إذا كان هذا النسق قد فقد صلاحيته ولم يعد مناسباً لمجتمعات قطعت أشواطاً في مسيرة التحديث.

إن الاعتقاد في زوال زمن الثورات مرّده الربط بين الثورات والآيديولوجيات، وبهذا المعنى فقط يكون السؤال مشروعاً.

أما الثورة في معانيها العميقة والحقيقية، فهي دائمة على المستوى الذاتي للبشرية والمجتمعي. فلا تغيير من دون ثورة حتى وإن تغيرت أدواتها وآلياتها ومضامينها، لأن البناء والتغيير هما جوهر الثورة ومعناها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل فعلاً انتهى زمن الثورات هل فعلاً انتهى زمن الثورات



GMT 12:53 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

تزوير الكتب واغتيال القوة الناعمة

GMT 12:51 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الجنرال ثلج.. قصة في تاريخ الروس

GMT 11:28 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 11:26 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

مَن رفع الغطاء عن سيف؟

GMT 06:49 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

بقعة خلف بقعة

GMT 06:47 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الملك فاروق... إنصافٌ متأخر

GMT 06:45 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في مصلحة مَن تقسيم إيران؟

أصالة نصري بإطلالات شرقية تجمع الفخامة والوقار

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 10:00 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب
المغرب اليوم - المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:44 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"ميشال فاضل يتألّق في مدينة "الملك عبدالله الإقتصادية

GMT 13:55 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

شركة اسرائيلية تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الداخلة

GMT 18:00 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

نقابة المهن التمثيلية تنفي شائعة وفاة أشرف عبدالباقي

GMT 04:34 2013 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية تعلن إنهاء إجراءات سفر أكثر من 56 ألف أجنبي مخالف

GMT 05:06 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

أسوأ الأحذية التي يجب عدم ارتدائها مع الجينز

GMT 07:27 2018 الثلاثاء ,17 تموز / يوليو

عودة "الشباشب العصرية" من جديد إلى منصّات الموضة

GMT 04:43 2018 الخميس ,28 حزيران / يونيو

اهتراء شبكة التوزيع يحرق أسلاك الكهرباء في وزان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib