عن مؤتمر دولي واجب الانعقاد ومستحيل

عن مؤتمر دولي واجب الانعقاد... ومستحيل

المغرب اليوم -

عن مؤتمر دولي واجب الانعقاد ومستحيل

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

بين 1618 و1648 عرفت أوروبا، خصوصاً وسطها، «حرب الثلاثين عاماً»، وهي كانت خليطاً من حروب دينيّة ومطامع سلالات حاكمة ومنازعات ترابيّة. هذه الحرب، التي تفرّعت عنها حروب، قضى بنتيجتها الملايين، بعضهم أودى بهم القتل وبعضهم فتكت بهم المجاعات والأمراض، ما خفضَ النموّ السكّانيّ في البلدان المحاربة الكثيرة، لا سيّما ألمانيا، وهذا فضلاً عن تراجع اقتصاديّ وثقافيّ هائل.

ولم تضع تلك الحرب أوزارها إلاّ مع معاهدة وستفاليا. فالأخيرة أعادت صياغة الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة، بحيث عُدّت المدخل إلى أوروبا الحديثة التي أعيد تأسيسها على قاعدة نظام الدول الأمم، كما اعتُبرت تمهيداً للعلاقات الدوليّة في شكلها الحديث.

وإذ ضُبطت حدود البلدان بموجب وستفاليا، ففي داخل الحدود كُفّت أيدي الحكّام عن فرض هذا الخيار الدينيّ أو ذاك على مواطنيهم ومحكوميهم.

ولاحقاً، ارتبطت التحوّلات الكبرى للتاريخ الأوروبيّ بـ»سلاح» المؤتمرات التي لا تتّفق جميع نتائجها مع القناعات العادلة والمتقدّمة، إلاّ أنّها تعلن الانتقال من حقبة إلى أخرى. يصحّ هذا في مؤتمر فيينا في 1815 لإعادة رسم خريطة أوروبا بعد نابوليون، ومؤتمر برلين في 1884-5 لتقسيم أفريقيا، ومؤتمر باريس للسلام في 1919 حيث وُقّعت معاهدة فرساي واقتُرح تأسيس «عصبة الأمم»، ومؤتمري يالطا وسان فرنسيسكو في 1945، حين ناقش الأوّل عالم ما بعد الحرب الثانية، وأنشأ الثاني منظّمة الأمم المتّحدة...

ولربّما صحّ القول إنّ منطقة المشرق، ومعها بلدان عربيّة أخرى كاليمن والسودان وليبيا، تعيش طوراً يلحّ في الطلب على الانتقال، برعاية مؤتمر دوليّ، من حقبة إلى أخرى. فالحروب تطال بلداناً عدّة فتمزّقها، ويتأدّى عنها تراجع سكّانيّ واقتصاديّ وثقافيّ ضخم. ولئن تشابكت، هنا أيضاً، عوامل عدّة تصلح تفسيراً للحروب، بقي أنّ الثابت والمشترك هما العجز عن بناء دول سيّدة وجماعاتٍ وطنيّة يوحّدها قدر معقول من الإجماعات الشعبيّة. والمنازعات الداخليّة هذه، بتضخّمها وفيضانها، أرخت بظلّها الثقيل على الحدود وعلى العلاقة بالخارج، على ما نرى جليّاً في معظم البلدان التي تمزّقها الحروب.

ويتّضح راهناً كم غدا حلّ مسألة الدول والمجتمعات والجماعات الوطنيّة عقدة العقد والممرّ الإجباريّ إلى وقف الاستباحات الدمويّة وإلى إنجاز أيّ هدف نبيل آخر، ما لا تقوى عليه قوى المنطقة الذاتيّة.

لكنْ إذا كان وضع منطقتنا الموصوف يحضّ على مؤتمر ينتج معاهدة وستفاليا عربيّة ترسم حدود الدول وتنظّم العلاقة بين جماعاتها، فإنّ مهمّة كهذه تلوح شديدة التركيب في ظلّ عولمة العالم، حتّى لو تراجعت تلك العولمة في السنين القليلة الفائتة. ذاك أنّ المهمّة المذكورة تجمع بين الطلب على دول أقلّ وحدةً، أي أقلّ مركزيّة، وشرق أوسط أكثر وحدةً بوصفه إقليماً جغرافيّاً وسياسيّاً.

فمستقبل إيران مثلاً، والتي تعيش مخاضاً كبيراً وغامض النتائج، يعني دولاً كثيرة في المنطقة ويؤثّر فيها، وكذلك احتمالات صدام إسرائيليّ – تركيّ انطلاقاً من سوريّا، ولربّما بات بناء «سدّ النهضة» الأثيوبيّ يتوعّدنا بأزمة محتملة عابرة للحدود. وذلك كلّه معطوف على معضلات جبّارة لا يمكن التفكير بمعالجتها من ضمن أفق الدولة الواحدة وأدواتها. فإلى القضيّة الفلسطينيّة، هناك القضيّة الكرديّة الموزّعة، هي أيضاً، على بلدان أربعة. وهناك مسائل الفقر والبيئة والتلوّث والتصحّر، والأنهار التي تصبّ كلّها تقريباً في غير البلدان التي تنبع منها. وهناك طبعاً التهريب وحركة الرساميل والإرهاب والعمالة والهجرة واللجوء، وكلّها ظاهرات عابرة للحدود. وهذا بدوره يعني العالم، وخصوصاً أوروبا، على أصعدة كثيرة تتصدّرها راهناً، من دون أن تختزلها، الهجرات وأعمال اللجوء.

أمّا البعض الذي قد يرفض فكرة التدخّل الدوليّ لتهدئة أحوالنا، وتغيير النظام الذي أفضى إلى علاقاتنا المتفجّرة، فهو نفسه الذي قضى عشرات السنين في هجاء اتّفاقيّة سايكس بيكو، ليتبيّن له أنّ «سقوط سايكس بيكو» يخلق دولاً أكثر، لا دولاً أقلّ، دع جانباً حلم الدولة الواحدة.

ومن نافلة القول أنّ هندسة الفوضى الدمويّة المطلقة التي تقدم عليها إسرائيل، انطلاقاً من حربها الإباديّة في غزّة، لن يوقفها سوى حلّ تدخّليّ دوليّ كبير ومُلزم.

لكنّ المأساة أنّ اقتراحات كهذه تبدو اليوم أقرب إلى وعظ محض، أو إلى شكل أفلاطونيّ أمثل لا يجد له معادلاً على الأرض. والحال أنّ الوجهة السائدة كونيّاً، خصوصاً في ظلّ الإدارة الأميركيّة الحاليّة، معاكسة تماماً لتوقّعات كهذه. فنحن نرى أنّ علاقات الغابة هي التي تنتعش وتتوسّع، ما يفسّر إقدام الحكم الإسرائيليّ على استهداف فكرة التفاوض من أساسها، عبر إغارته الأخيرة على قطر.

فالمبادرات التي تظهر متقطّعةٌ، قصيرة النفس، وتجزيئيّة للمشاكل المطروحة، فضلاً عن أنّ بعضها من صنف عقاريّ عارٍ وصريح. وهذا فيما يكمّل ضعف أوروبا الراهن، سياسيّاً واقتصاديّاً، رسم لوحتنا الكئيبة.

لكنْ، وفي الحدّ الأدنى، قد يكون مفيداً، كأداة للقياس، تذكير أنفسنا بأنّ ما حصل قبل أربعة قرون يبدو عندنا اليوم أقرب إلى الاستحالة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن مؤتمر دولي واجب الانعقاد ومستحيل عن مؤتمر دولي واجب الانعقاد ومستحيل



GMT 12:53 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

تزوير الكتب واغتيال القوة الناعمة

GMT 12:51 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الجنرال ثلج.. قصة في تاريخ الروس

GMT 11:28 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

أفلام حكومية.. “عطلة 3 أيام”

GMT 11:26 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

مَن رفع الغطاء عن سيف؟

GMT 06:49 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

بقعة خلف بقعة

GMT 06:47 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الملك فاروق... إنصافٌ متأخر

GMT 06:45 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في مصلحة مَن تقسيم إيران؟

أصالة نصري بإطلالات شرقية تجمع الفخامة والوقار

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 10:00 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب
المغرب اليوم - المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 13:35 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 16:11 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 10:50 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

أحدث صيحات قصات الشعر المجعد

GMT 17:53 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

تعرف على عدد السيارات التي أنتجتها فولكس فاجن في 2017

GMT 18:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:53 2018 الأربعاء ,12 أيلول / سبتمبر

هزة أرضية تضرب مدينة حلبجة شمال العراق الأربعاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib