زراعة الجهل
إحالة الإعلامي عمرو أديب إلى المحاكمة الجنائية بتهمة سب وقذف مرتضى منصور قوات اليونيفيل تحذر من تهديد الهدوء في جنوب لبنان بعد تسجيل آلاف الانتهاكات للقرار 1701 إيران تستدعي السفير الإيطالي لديها للاحتجاج على مساعي الاتحاد الأوروبي لفرض قيود على الحرس الثوري الاتحاد الاوروبي تمنح شركة غوغل مهلة مدتها ستة أشهر لرفع الحواجز التقنية أمام مساعدي بحث الذكاء الاصطناعي حرائق الغابات تلتهم أكثر من 30 ألف هكتار في باتاجونيا بالأرجنتين وفاة المدرب السابق لمنتخب روسيا لكرة القدم بوريس إغناتيف عن 86 عاما بعد صراع مع مرض السرطان إثيوبيا تعلن انتهاء تفشي فيروس ماربورغ بعد 42 يومًا دون إصابات جديدة إجلاء أكثر من 20 ألف شخص بعد زلزال بقوة 5.5 درجة في مقاطعة غانسو الصينية نقل الفنان سامح الصريطي إلى المستشفى بعد إصابته بجلطة دماغية مفاجئة وحالته تحت المتابعة الطبية زلزال بقوة 5.7 درجة على مقياس ريختر يضرب قبالة سواحل إندونيسيا دون خسائر معلنة
أخر الأخبار

زراعة الجهل

المغرب اليوم -

زراعة الجهل

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

الزراعة والكتابة فيهما تشابه كبير في الطريقة والموضوع والآفات المحيطة. هذا درس لم أتعلمه من جامعات الغرب، ولكن تعلمته من امرأة بسيطة في قريتنا كان زوجها يشتغل في وظيفة متواضعة في إحدى الدول العربية ضمن العمالة المصرية المهاجرة. طلبت مني تلك المرأة أن أكتب لها رسالة إلى زوجها، فلقد كانت أمية لا تجيد القراءة أو الكتابة. كنت في الثانية عشرة يومها، وكنت معروفاً كتلميذ يكتب بخط جميل، وكثيراً ما كنت أُستدعى لكتابة الرسائل لأهلنا الذين يعملون في دول الخليج العربي. عندما كتبت الخطاب وأغلقت المظروف وكتبت عليه العنوان، نظرت السيدة إلى المظروف في يدها وتأملته بمحبة رسمت على محياها وسرحت قليلاً ويبدو أنها تذكرت شيئاً لم تقله في الرسالة ونظرت في وجهي وأشارت إلى مساحة بيضاء على المظروف وقالت بعفوية: «والنبي في الحتة الضما دي اكتب لزوجي كمان كلمتين». أدهشتني عبارة «الحتة الضما»، وهي عبارة نقولها عن الأرض التي لا زرع فيها، وربما جاءت من كلمة ظمأ، أي الأرض التي لا ينبت فيها الزرع لأنها ظمأى إلى الماء. هذه السيدة ترى الكتابة زرعاً للحروف على الورق، والمناطق الخالية من الورق هي مساحات «ضما» أو غير مزروعة بالكلمات، أو أنها ولسبب ما لم ينبت الكلام فيها، وطلبت مني أن أزرع كلامها بالحبر الأزرق على ما هو بياض على مظروف الجواب أو الخطاب. نقول عن الخطاب جواباً بلهجتنا المحلية. وما زلت في السياق المحلي، ولن أحمّل كلمة خطاب فكرة السردية discourse التي جاءتنا من فلسفة ميشيل فوكو وجاك داريدا، الخطاب هنا بمعنى الجواب، رغم ما فيه من دلالات أخرى.
رؤية السيدة للكتابة كزراعة للحروف على الورق جاءت من عالمها، فهي امرأة لا تعرف إلا أرضها وزرعها وزوجها الغائب في بلاد بعيدة. الكتابة بالنسبة لها نوع من الزراعة، ولكنها على الورق لا على الأرض، وكل بياض ليس مزروعاً بالحروف هو أرض «ضما»، لا بد أن تُروى بطيب الحديث ورسائل الشوق. يومها حاولت أن أثنيها عن فكرة الكتابة على المظروف أو «الحتة الضما»، لأنها تسمح لأي أحد بقراءتها وتفشي أسرارها ونحن أناس نستحي من أوجاعنا، وساعي البريد رجل غريب حتى لو كان من قرية مجاورة... وعيب في بلادنا أن نفشي أسرارنا لأناس من قرية أخرى. رمقتني بنظرة من عرف القصد وأشاحت بوجهها، ولم تقل شيئاً وأدركت أني أقنعتها أنه من الأفضل أن نرجئ الأمر إلى خطاب قادم.
علاقة الكتابة بالزراعة التي جاءت نتيجة هذا الموقف الذي يقف على الحد الفاصل بين كتمان الأسرار والمكاشفة المحتشمة كانت جديدة عليّ. وكلما تأملتها وجدت فيها عمقاً فلسفياً يتجدد لدي كل يوم. فالكتابة مثل الزراعة إذا ما تأملتها بعناية، ففيها فكرة أن تكون الكتابة حية، وفيها شيء من الاخضرار والبهاء والنضارة التي تسر الناظرين، أيضاً يجب أن تكون فكرة الثمار حاضرة كجزء من عملية الكتابة، فالكتابة مثلها مثل الزرع، لا بد أن يكون فيها ثمار تجنى أو عائد مفيد للقارئ. كتابتنا اليوم هي زراعة أيضاً ولكنها زراعة النجيلة والعليق، حشائش ضارة لا نافعة. نقول في المثل الشعبي «من أجل الورد يُسقى العليق»، ولكن للأسف زاد العليق وتوسعت مساحات الحشائش الضارة، ونادراً ما نرى وردة متفتحة في وادي الجهل الذي نسير فيه.
وسؤالي هنا مَن المسؤول عن انتشار الحشائش الضارة في مجتمعاتنا؟ أو مَن يزرع الجهل في وادينا؟ هناك سؤال بحثي يمكن أن يتبناه الطلاب في الدراسات العليا يمكن تسميته الاقتصاد السياسي للجهلthe political economy of ignorance، وهو في نظري سؤال المرحلة في عالمنا العربي. والاقتصاد السياسي لمن لا يعرفونه هو فرع من العلوم السياسية يزاوج بين الاقتصاد والسياسة في محاولة لفهم آليات الارتباط بين الإنتاج والتوزيع والقيمة في مجتمع رأسمالي معقد.
وفي سياق هذا المقال يعنى الاقتصاد السياسي بمحاولة فهم إنتاج الجهل في مجتمعاتنا وتوزيعه والقيمة المضافة، أي من ينفق وكم ينفق من الأموال على إنتاج حالة الجهل السائدة والمفرغة من أي معايير حاكمة؟ وكيف يتم نشر الجهل وتوزيعه في فضاءاتنا الثقافية أو المجال العام، وما هي القيمة المضافة التي يراها موزعو ومنتجو الجهل عندنا؟ إن ما ينفق على التجهيل في عدد من بلادنا أضعاف ما ينفق على التعليم.
قد يرى البعض أن في هذا المقال إجحافاً وعدم إنصاف، فهناك واحات للنهضة والتنوير موجودة في بعض الدول العربية، وقد يتساءل أحدهم منكراً: ألا ترى الجوائز العلمية التي توزع في بعض بلداننا؟ ألا ترى جامعاتنا، الخاص منها والعام؟ ألا يكفيك هذا لدحض مقولة انتشار الجهل! الحقيقة هي أن معظم جوائزنا، باستثناءات قليلة جداً، تصل إلى حد الندرة، لا تحكمها إلا الأهواء والشللية النفعية المتجانسة، والسياسة. هي شلل متماهية يعرف بعضها بعضاً تعكس رغبات سياسية غير معلنة تخص القبول والرضا، وليس العلم والمعرفة. المتوسطون يشتمّون رائحة ما هو أدنى، يعرفونه وينجذبون إليه. أحياناً يكون القائمون على جوائز العلم هم من يصدرون الجهل، أو أن حوائط العلم الزائفة تخفي خلفها حدائق غناء من الحشائش الضارة أو مزرعة جهل مترامية الأطراف. أما أغلب جامعاتنا ومعايير الجودة عند القائمين عليها، فهذا أمر يكشفه التقييم العالمي الذي يضعنا في ذيل القائمة.
ذات مرة اصطحبت صديقاً ليعرفني على أحد القائمين على نشر الجهل ممن لديهم مدارس وجامعة وتلفزيون، وقال لي إنه خريج جامعة لم أسمع عنها قط في حياتي مقرها ولاية فلوريدا الأميركية. ولأنه اعتاد الكذب ولا يرد عليه أحد تمادى في الأمر، فقلت له لم أسمع بهذه الجامعة وإنني أفهم في مجال التعليم جيداً، وقلت له إن لغته الإنجليزية لا توحي بأنه درس في أميركا ليوم واحد. هاج الرجل وماج مما اضطر صديقي الذي عرفني به أن يطلب مني أن ننسحب بهدوء. وقال لي بصوت خفيض «فضحتنا»، قلت له: من الذي فضح من؟ إذا كان هذا يملك جامعات ومدارس وتلفزيون للترويج لهم، فأبشر بمزارع واسعة شاسعة من الحشائش تمرح فيها دواب الجهل.
إن مزارع الجهل التي انتشرت في بلادنا هي أكبر تهديد لأمن البلاد والعباد، وإن القبول بمتاجرة الجاهل والفاسد في مؤسسات التعليم لتتحول إلى مؤسسات للتجهيل من دون أن نتصدى له ولو بكلمة حق، هو أمر يضع مجتمعاتنا على منحى الخطر. آن لنا أن نزرع علماً ونتخلص من الحشائش الضارة، كي تتفتح في عالمنا آلاف الزهور التي أرى إمكانيتها مرسومة على وجوه الأطفال كلما عدت إلى ذات القرية البعيدة، أطفال بآمال مفتوحة، فإما أن نزرع فيها الأمل أو نتركها ضحية لزراع الجهل. الأمر بين أيدينا، وأيدينا وحدنا.
ملحوظة ختامية: عندما عدت إلى القرية آخر مرة علمت أن زارعة الحروف في «ضما» الأوراق قد رحلت عن دنيانا، ويبدو أنها لملمت معها حروفها وذهبت.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زراعة الجهل زراعة الجهل



GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 20:02 2025 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقًا!

GMT 06:19 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 19:43 2025 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

أصول النظام السياسى

GMT 19:56 2025 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

عيد سعيد!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 21:44 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب
المغرب اليوم - بزشكيان يمنح المحافظين صلاحيات استثنائية تحسبا للحرب

GMT 12:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
المغرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 19:52 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

مباحثات هاتفية لتعزيز التعاون بين الرباط والقاهرة
المغرب اليوم - مباحثات هاتفية لتعزيز التعاون بين الرباط والقاهرة

GMT 20:25 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد
المغرب اليوم - ترامب يروج لفيلم ميلانيا الوثائقي والتذاكر على وشك النفاد

GMT 17:01 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

8 قتلى بين المتزلجين بعد سلسلة انهيارات ثلجية في النمسا

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 11:49 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

من المستحسن أن تحرص على تنفيذ مخطّطاتك

GMT 19:31 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

7 أطعمة لعلاج نقص الهيموجلوبين خلال الحمل

GMT 10:52 2016 الجمعة ,26 شباط / فبراير

تورال يتعرض لإصابة طريفة أمام نابولي

GMT 15:00 2021 السبت ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

توخيل يكشف حقيقة رغبة اللاعب المغربي حكيم زياش في الرحيل

GMT 15:14 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 11:21 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

حكيم زياش يتحمس لمغادرة "أياكس" صوب إنجلترا

GMT 23:51 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

إطلاق مبادرة "مريم أمجون" للتشجيع على القراءة في المغرب

GMT 09:43 2019 الثلاثاء ,28 أيار / مايو

طريقة عمل أم علي اللذيذة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib