آيديولوجياتنا التائهة

آيديولوجياتنا التائهة

المغرب اليوم -

آيديولوجياتنا التائهة

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

في لحظاتِ الأزماتِ الكبرى، يتعلّقُ النَّاسُ بقشةٍ فكرية، يظنُّونَ أنَّها طوقُ نجاة، ويبدو أنَّ القشة التي تلوكها الألسنة هذه الأيام هي القول إنَّ العالم العربي ضحية الآيديولوجيا، وإن السبيل إلى الخلاص تكمن في التخلّي عن الأفكار الكبرى التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه. غير أنَّ هذه مقولة زائفة، تستحق التمحيص الجاد. فالحقيقة أن العالم العربي، خلال مائة سنة ماضية، لم يُنتج آيديولوجيا واحدة متماسكة تفسّر عالمه، أو توضّح علاقة الفرد بمجتمعه، أو تربط النفس بالكون والدولة بالعالم. ما وُضع على واجهات الفكر كان إما مستورداً مشوّهاً، أو محاولات محلية سطحية، أو تلفيقات فكرية ادّعت الأصالة ولم تملكها.

إن ما نحتاج إلى التأكيد عليه هو أننا لم نكن يوماً ضحايا وفرة في الآيديولوجيا، بل كنا دائماً ضحايا غيابها. ضحايا فقدان الأفكار الكبرى، وضياع السرديات الجامعة التي تفسّر موقع الإنسان من الدولة والمجتمع. هذا المقال محاولة لتفكيك هذه الأكذوبة المتداولة، والتي باتت أشبه بحليّ «الفالصو» أو بالبضائع المقلّدة، كما يقول أصحاب العلامات التجارية الأصلية. وقد آن للأنظمة والدول أن تغلق شارع «الفالصو»، تماماً كما فعلت بلدية شنغهاي حين أغلقت سوق البضائع المقلّدة خلف فندق «الريتز».

أحد أبرز تجليات الزيف في العالم العربي هو تكرار مقولة إننا ضحايا الآيديولوجيا، مع أن الواقع يثبت أننا لم نعرف يوماً آيديولوجيا حقيقية حتى نُبتلى بها. ما عشناه قرناً من الزمان لم يكن صراع أفكار، بل هروب متواصل من إنتاجها. نعم، كانت هناك محاولات فكرية جادة، لكنها لم تُنتج نظرية كبرى. فعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري قدّما قراءة نقدية للتراث دون قطيعة أو تمجيد. وطه حسين، في كتابيه «في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر»، وجّه نقداً للقومية المغلقة، ودعا إلى الانفتاح على المتوسط. وفهمي جدعان، في كتابه «المحنة»، مارس نقداً سياسياً ودينياً عميقاً. وحسن حنفي، في مشروعه عن «اليسار الإسلامي»، أعاد قراءة التراث كواقع تاريخي وظيفي. وهشام شرابي وفاطمة المرنيسي قاما بتفكيك البنى الأبوية السائدة... لكن كل هذه المشاريع، رغم قيمتها النقدية، لم تُنتج آيديولوجيا بالمعنى التفسيري الواسع.

ربما الاستثناء الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه هو كتاب جمال حمدان «عبقرية المكان» الذي يُعدّ أقرب ما يكون إلى تأسيس سردية مصرية خاصة، مستلهماً من فكرة «عبقرية المكان» (Genius Loci) التي هيمنت على الفكر الألماني، وظهرت بوضوح في كتابات هايدغر. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا المشروع إلى نظرية سياسية واجتماعية شاملة.

ولذلك، فإنَّ الادّعاء بأن وفرة الآيديولوجيات هي ما أدى إلى انهيار الدول العربية، لا يصمد أمام اختبار التاريخ. انهيار الدولة في ليبيا واليمن وسوريا والصومال لم يكن نتيجة صراعات فكرية، بل بسبب غياب الرؤية الجامعة، والعجز عن إدارة التنوّع المجتمعي، وافتقار هذه الدول إلى آيديولوجيا توحّدها وتُضفي المشروعية على مؤسساتها.

والسؤال: ما الآيديولوجيا أصلاً؟ ببساطة، هي رؤية للعالم، تربط الفرد بجماعته، والمجتمع بدولته، والدولة بتاريخها ومستقبلها. هي النظام الرمزي الذي يفسّر لماذا نرى حكماً ما مشروعاً ونقبله، وآخر غير مشروع فنثور عليه. في الفكر الغربي الحديث، من ماركس إلى غرامشي، ومن ماكس فيبر إلى مدرسة فرانكفورت، كانت الآيديولوجيا شرطاً من شروط وجود السياسة؛ فلا دولة من دون سردية تبررها، ولا مجتمع من دون حلم مشترك يؤطره. حتى عند «الفلاسفة العرب» الكبار، من الفارابي إلى الكندي وابن رشد، نجد محاولات لبناء تصورات عن المدينة الفاضلة والحكمة السياسية، يمكن اعتبارها مشاريع آيديولوجية ضمن سياقاتها التاريخية، رغم أنهم لم يستخدموا هذا المصطلح.

أما في واقعنا الحديث، فقد تكرّست التشوّهات نتيجة غياب الفهم، وضعف التعليم، وهيمنة المجالس العامة على الثقافة السمعية. لهذا السبب ظنّ البعض أن عبد الناصر أو صدام حسين مثلاً كانا يمثّلان آيديولوجيا، في حين أنهما في الحقيقة كانا يمثّلان زعامة سلطوية فردية، لا تملك أي نظام إداري أو دستوري. لم تكن هناك أفكار ولا مشاريع، بل تكرار سلطوي جعل من أوهام الحكم سردية وطنية. وهذه ليست آيديولوجيا، بل زعامة بدائية أشبه بزعامات القبائل في المجتمعات التقليدية.

وفيما يخصّ التيارات الكبرى التي شغلتنا مثل الماركسية العربية أو الإسلام السياسي، فالأولى كانت استنساخاً هزيلاً لمقولات لا تناسب بيئتنا، كما ناقش عبد الله العروي مبكراً، وبيّن كيف أنها فشلت لأنها شتلة مستوردة غير قابلة للنمو في تربتنا. ماركسيتنا استخدمت أدوات تحليل طبقي في واقع لا طبقات فيه، ولا صناعة، ولا بروليتاريا. كانت ترجمة دون مشروع. أما الإسلام السياسي، الذي قُدّس في العصر الحديث، فقد بدأ واعداً، لكنه عجز عن تقديم نظرية سياسية حديثة. نصر حامد أبو زيد شرح هذا القصور الفكري بدقة، كما فعلت من قبله فاطمة المرنيسي التي رأت استحالة التقاء الفكر السلطاني مع مفهوم حديث للمواطنة.

الخلاصة أنه لم تكن لدينا آيديولوجيات لنتحدث عن فشلها أو عن أعبائها، بل نحن أمام فراغ فكري، سببه الأساسي عجز معرفي عميق. عجز في المؤسسات التعليمية، وفي الحريات العامة، وفي القدرة على إنتاج الأفكار. نحن بلا كتاب، وبلا معلم، وبلا مدرسة. نعيش عالماً بلا سردية، في زمن بلا مشروع أو مشاريع فكرية واضحة، أو بيئة قادرة على إنتاج أفكار محلية باسقة كنخيل البلدان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آيديولوجياتنا التائهة آيديولوجياتنا التائهة



GMT 11:16 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

هل يلغي الزلزال الإيراني الزلزال العراقي؟

GMT 11:16 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

في أوكرانيا… انتصار روسي بطعم الهزيمة!

GMT 11:14 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

GMT 11:14 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

جَبْرٌ قبل الكسر.. نزع فتيل أزمة “الضمان”

GMT 09:55 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

هل علينا أن نخشى من إيرانَ الجديدة؟

GMT 09:51 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

عالم في عكس القانون

GMT 09:47 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: السويس أو القلزم... لغة الماء

GMT 09:44 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

إسرائيل... تكريس الضم الفعلي للضفة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 23:12 2026 الخميس ,26 شباط / فبراير

عراقجي يؤكد الاتفاق بات في مراحله الاخيرة
المغرب اليوم - عراقجي يؤكد الاتفاق بات في مراحله الاخيرة

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:26 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 10:33 2018 الأربعاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

أفكار مبتكرة لتجديد غرفة النوم في الشتاء بهدف كسر الروتين

GMT 17:59 2023 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الروبل في بورصة موسكو

GMT 00:18 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

الرجاء الرياضي يعلن أسباب الاستغناء عن المدرب الشابي

GMT 05:44 2020 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ماسك المانجو لبشرة صافية وجسم مشدود

GMT 21:44 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك تغييرات في حياتك خلال هذا الشهر

GMT 11:13 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

خادم الحرمين الشريفين يشرف حفل استقبال أهالي منطقة حائل

GMT 21:17 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

هل توبيخ الطفل أمام الآخرين يؤثر في شخصيته؟
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib