بقلم:سليمان جودة
على كثرة ما أتابع فى المنطقة وخارجها، لم تقع عينى على تصريح لمسؤول بنكى فى أى بلد، يقول إن الشعب صرف كذا فى الأعياد أو سحب كذا من البنوك.. إلا فى مصر المحروسة !
فالأستاذ محمد الأتربى، رئيس اتحاد بنوك مصر، والرئيس التنفيذى للبنك الأهلى، ذكر فى تصريح منشور فى وسائل الإعلام، أن المصريين سحبوا من البنك الأهلى قبل العيد من أربعة إلى أربعة ونصف مليار يومياً، وأن حجم المعاملات بلغ مائة مليار فى تسعة أيام !
ليست المرة الأولى التى يقال فيها تصريح كهذا على لسان الرجل، ففى أعياد ومناسبات سابقة كان كلام كهذا يقال ويتكرر على لسانه، أو على لسان مسؤولين آخرين فى الجهاز المصرفى، والغريب أن الأمر لم يستوقف أحداً فى الحكومة ليتحرك وينبه على أن كلاماً كهذا لا يجوز أن يقال.
لا يجوز أن يقال لأن فيه رائحة معايرة للمصريين بأنهم ينفقون ويستهلكون بأكثر من اللازم، ولا بد أن معنى كهذا لا يليق أن يكون موجوداً فى حديث بخاطب عامة المواطنين، مع ما نعرف عن الحالة الاقتصادية البائسة للغالبية منهم.. ثم إن الفلوس فلوسهم، وهُم أحرار فى سحبها أو عدم سحبها، ولا يمكن أن يُحصى عليهم مسؤول البنوك ما يفعلونه فى حُر أموالهم، ثم يضع ما يحصيه عنهم على قارعة الطريق هكذا.
ومن الناحية المعلوماتية فإن الأمر لا يجوز أيضاً، لأن المفترض فى تداول المعلومات الخاصة بمعدل السحب من البنوك، أو معدل الإنفاق، أو حجم المعاملات، أن يبقى داخل الحكومة لا خارجها هكذا على الملأ. وليس سراً أن الدولة تنبهت فى وقت من الأوقات إلى أن متربصين بنا خارج البلد كانوا يحصلون من أخبار الوفيات على معلومات تفيدهم، فكانوا يعرفون أن فلاناً الذى توفى قريب فلان، وأن علاناً من أقربائه تولى كذا فى وقت من الأوقات.. وأن.. وأن.. وكانوا يجلسون لتحليل كل ما هو متاح من معلومات أو أسماء منشورة، ثم يخرجون بمؤشرات يريدونها ويعرفون كيف يوظفونها.
قيل هذا عن المعلومات التى قد تكون موجودة فى أخبار الوفيات.. فما بالنا إذا كنا نتكلم هنا عن حجم سحب من البنوك، وعن حجم إنفاق، وعن حجم معاملات، وكلها كما ترى أمور اقتصادية قد تحمل فى طياتها من المؤشرات ما لا نراه نحن هنا، ولا يراه الذى يطلق التصريحات وينشر الأرقام، ولكن يراه الذى يريد أن يعرف ويوظف ما يعرفه عنا.
كنا ننتظر من رئيس اتحاد بنوك مصر أن يعتذر أولاً للغلابة من المصريين الذين عانوا ما عانوه فى أيام العيد للحصول على جنيهات قليلة من من ماكينات السحب، وكنا نتوقع منه أن يبشر الناس بأن معاناه كهذه لن تتكرر، وأنه من موقعه رئيساً لاتحاد البنوك يتعهد بذلك ويلتزم به.. كنا ننتظر ونتوقع.. ولكنه خرج يعلن ما لا يجوز إعلانه ولا يليق ترديده.
إذا كان من حقه أن يحصى وأن يرصد ما يراه فى الجهاز المصرفى، فليس كل ما يتم إحصاؤه يجرى إعلانه أبداً !