الطبع الأميركي يغلب التطبع

الطبع الأميركي يغلب التطبع!

المغرب اليوم -

الطبع الأميركي يغلب التطبع

بقلم - سليمان جودة

تجد نفسك أحياناً أمام مشهد في الحياة، وتشعر بأنه مرّ بك من قبل. تُحاول أن تتذكر متى بالضبط رأيته؟ وأين؟ ولكنك لا تصل إلى إجابة، فكل ما تذكره أنك مررت به، وبتفاصيله، أما ما عدا ذلك في الزمان أو في المكان فلا تذكر شيئاً.

شيء من هذا تجده في التحذير الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لمغادرة السلطة. سوف تتابع المشهد الأميركي-الفنزويلي بين الرئيسين، وسوف تجد أنك رأيت ما يُشبهه تقريباً مرة، أو ما يُماثله بالضبط مرةً ثانية، وسوف لا تخونك الذاكرة هنا كما قد تخونك في مشاهد الحياة التي تصادفك على مر الأيام.

ستذكر أن الرئيس بوش الابن حذّر الرئيس العراقي صدّام حسين بداية هذه الألفية، داعياً إياه إلى الشيء نفسه، وأن الرئيس العراقي رفض الاستجابة للدعوة، وأنه كان لا بد أن يرفض، فلا يوجد رئيس دولة، مهما صغر حجمها أو حتى شأنها، يمكن أن يقبل بدعوة كهذه، حتى لو كانت من رئيس أقوى دولة في العالم.

لقد رفض صدّام دعوة بوش الابن، وكان يعرف أن رفضه يمكن أن يجرّه إلى ما لا يحبه، ولا تطيقه بلاده، ولكنه رفض ولسان حاله يُردد ما كان الشاعر أبو الطيب المتنبي يقوله:

وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ

فمنَ العجز أن تكون جبانا

من الجائز ألا يكون صدّام حسين قد صادف هذا البيت من الشعر في حياته، فضلاً عن أن يكون من بين محفوظاته الشعرية، ولكنه في الغالب استحضر معناه في الموقف الذي وجد نفسه فيه، ثم راح يتصرف على أساسه، ومن بعدها كان ما كان مما نذكره في القصة كلها.

وقد عاش بوش الابن بعد ذلك، ورأى عواقب دعوته على العراق، وعلى غير العراق في المنطقة، وكان هذا أدعى إلى ألّا يتكرر الأمر من ساكن آخر للبيت الأبيض، لولا أن باراك أوباما كرره مع الرئيس حسني مبارك في أيام ما يُسمى «الربيع العربي». صحيح أن السياق كان مختلفاً، وصحيح أن حالة مبارك ليست كحالة صدّام، ولكن المضمون تقريباً واحد، كما أن الإصرار من جانب الرؤساء الأميركيين على تجريب ما تم تجريبه وتبين فشله واحد أيضاً، بل إن عدم قدرتهم على رؤية العواقب قاسم مشترك أعظم بينهم، والقضية تتجاوز عدم القدرة إلى عدم الرغبة، وبطريقة تستعصي على فهم كل متابع.

هذه المرة يعود الرئيس ترمب ويطلق دعوته إلى الرئيس مادورو، وبغير أن يكون للتجربة عند سابقيه رصيد لديه في الموضوع. فالمفترض أنه سمع عن دعوة بوش الابن مع صدّام، وأنه يعرف ما دعا أوباما الرئيس مبارك إليه. فإذا لم يحضر رصيد التجربة أمامه، فإن الذاكرة تُصبح بغير قيمة لدى الإنسان، وتنقطع الصلة بين التجربة في حياة الذين سبقوا ورصيدها في مواقف الذين لحقوا.

في كل مرة لم يكن دافع الدعوة المعلن هو الحقيقة، وإنما كان هناك دافع آخر يتوارى وراء كل دعوة من الدعوات الثلاث. كانت إدارة بوش الابن تتحدث عن مبرر تراه من وراء دعوتها صدّام إلى ترك السلطة، وكان المبرر أنها تريد المجيء بالديمقراطية للعراق، وكان مبرراً مثيراً للضحك بأكثر مما كان يُثير أي شيء آخر، فلا العراقيون اشتكوا في ذلك الوقت من شُحّ الديمقراطية في الأسواق، ولا الديمقراطية نفسها يمكن استيرادها من السوق الأميركية، ولا من غيرها.

وكانت إدارة أوباما تتكلّم عن أنها تريد تخلّي مبارك عن الحكم، استجابة لجماهير «الربيع» في ميدان التحرير، وكانت هذه كذبة كبيرة أخرى مثل كذبة الديمقراطية الكبيرة في العراق، ولم يكن الهدف الأميركي في حقيقته سوى رغبة في فتح الطريق أمام تيار سياسي بعينه في المنطقة، وعندما جاء هذا التيار إلى الحكم بعدها ثبت بالتجربة صواب ما قاله مبارك لأوباما وإدارته، وقد كان رأي مبارك أن أوباما مع أركان الإدارة في واشنطن لا يفهمون شيئاً في المنطقة، وأنهم مصابون بأمية سياسية إذا تعلّق الأمر بمنطقتنا هنا.

ولا تزال إدارة ترمب تتحدّث عن مخدرات قادمة من فنزويلا إلى الأميركيين، وعن أنها ترغب في منع هذه المخدرات، وهذا كلام لا ينطلي على عقل سليم، ولا يقبله منطق متماسك، وإذا شئنا فلنراجع احتياطي فنزويلا من النفط والغاز الطبيعي الذي لا يكاد يماثله احتياطي آخر في العالم، وعندها سيبدو حديث المخدرات لافتة ليس أكثر.

يقول المصريون في أمثالهم الشعبية إن «التالتة تابتة»، والمعنى أن المرء إذا أخذ فرصة ثالثة فهي فرصته الأخيرة. فهل يمكن أن يسري هذا على الدول كما يمشي على الأفراد؟... ربما... ولكن المشكلة أن التجارب الثلاث جزء من طبيعة السياسة الأميركية منذ أن صارت الولايات المتحدة على رأس العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والمشكلة أيضاً أن الطبيعة لا تزال تغلب التطبع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطبع الأميركي يغلب التطبع الطبع الأميركي يغلب التطبع



GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

GMT 04:39 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 04:38 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 04:37 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 04:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 04:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:23 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 10:45 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

ليلي علوي تلتقي الفنان وليد توفيق في الكويت

GMT 12:48 2016 الخميس ,21 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحب بعد الـ 3 سنوات الأولى !

GMT 01:03 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

أحمد خليل يُعرب عن سعادته بنجاح "رسايل" و"كإنه إمبارح"

GMT 09:47 2018 الخميس ,04 كانون الثاني / يناير

أسبتب تدشبن مباراة المغرب والكامرون بدون جمهور

GMT 22:35 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

الزلزال السياسي بين الرباط وباريس قد يستمر طويلاً

GMT 17:28 2022 الجمعة ,07 كانون الثاني / يناير

لودريان يُرحّب بعودة السفير الجزائري إلى باريس

GMT 16:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحوت" في كانون الأول 2019
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib