الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا

الذين ذاقوا في اليابان... فَعرَفوا

المغرب اليوم -

الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا

سليمان جودة
بقلم - سليمان جودة

كان الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) هو الذي أطلق عبارته الشهيرة التي تقول إن «مَنْ ذاق عرف». كان قد أطلقها تعبيراً عن علاقة من نوع خاص بين الإنسان وبين الرب، إلا أنها يمكن أن تؤخذ على محامل أخرى سوى هذا المحمل.

من معاني العبارة أنه لا يعرف البحر –مثلاً- إلا الذي نزل فيه، أو الذي غاص في الماء بين الشاطئين، فعرف ما لا يعرفه الذين هُم على الشاطئ. وهذا مثال يمكن القياس عليه فيما سواه.

وليس من الضروري أن يكون الذي ذاق ليعرف قد ذاق شيئاً حلواً، وإنما يستوي أن يذوق الحلو أو أن يذوق المُر، ففي الحالتين سوف يعرف في النهاية ما لم يعرفه الذين لم يذوقوا ولم يعرفوا بالتالي.

أما الذي ذاقته جماعة «نيهون هيدانكيو» في اليابان، فلم يحدث أن ذاقته جماعة غيرها في أركان الأرض الأربعة، وإلا، فهل هناك جماعة سواها في أي أرض ذاقت ويلات السلاح النووي، فعرفت ما لم تعرفه جماعة أخرى بين الجماعات؟

الجماعة اليابانية تضم الناجين من المحرقة التي أطلقتها قنبلتان ذريتان ألقتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما ثم ناغازاكي اليابانيتين بالتوالي. كان ذلك في السادس من أغسطس (آب) 1945 مع المدينة الأولى، ومن بعدها بثلاثة أيام كانت المدينة الثانية على موعد مع قنبلتها، وكانت الحصيلة نحو مائتي ألف قتيل في المدينتين، وهناك إحصاءات تضيف 50 ألفاً آخرين، ليصبح الإجمالي في حدود ربع مليون قتيل في ضربتين!

وبخلاف ربع المليون قتيل، هناك يابانيون أصيبوا بإشعاعات القنبلتين فعاشوا مشوهين إلى أن ماتوا، وهناك آخرون عاشوا بعاهات نفسية وجسدية لازمتهم مدى الحياة، وفريق ثالث مات من الرعب وهو على قيد الحياة، وفريق رابع نجا لأنه كان خارج المدينتين وقت أن غطتهما سحابة القنبلتين، فخنقت فيهما كل كائن حي، أو نجا وقد أصابه ضرر لم يقتله ولكن بقي الضرر بأثره يرافقه!

هذا الفريق الأخير هو الذي أطلق ذات يوم جماعة «نيهون هيدانكيو» فاستحقت «جائزة نوبل للسلام» في السنة قبل الماضية، ولم يكن أمام لجنة هذه الجائزة الرفيعة إلا أن تذهب بها إلى أعضاء الجماعة اليابانية. فليس بين أعضائها واحد إلا وأثَّر إشعاع القنبلتين على جسده، أو في نفسه، أو في خياله لا يفارقه. صحيح أنهم جميعاً تجاوزوا الثمانين، ومنهم مَنْ تعدَّى التسعين، ولكن يجمع بينهم أنهم عاشوا ما لم تقع عليه عين خارج اليابان. ولأنهم كذلك، فإنهم الجهة الوحيدة التي انزعجت من الإعلان عن انتهاء اتفاقية «نيو ستارت» النووية الموقَّعة في 2010 بين الولايات المتحدة وروسيا.

كان أعضاء هذه الجماعة هُم الذين لم يناموا الليل حين قرأوا الخبر، ولم يكن ذلك إلا لأن انتهاء العمل بالاتفاقية يعني ألا قيود الآن على استخدام السلاح النووي من جانب الدولتين على الأقل، وأن في مقدور روسيا أو الولايات المتحدة أو حتى أي دولة نووية سواهما، أن تستخدم ما عندها من هذا السلاح كما تحب؛ لأن الاتفاقية التي كانت تضع قيوداً على ذلك قد انتهى العمل بها!

انتهى العمل باتفاقية «نيو ستارت» في الخامس من الشهر الحالي، وجرى الإعلان عن ذلك، وقال الروس إنهم سوف يسترشدون بمصالحهم في استخدام سلاحهم النووي، ودعا الرئيس ترمب إلى اتفاقية جديدة تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين معاً. ولكن هذه كلها تفاصيل في الشكل لم تتكشف عن شيء. أما الموضوع لا الشكل فهو أن أعضاء الجماعة اليابانية قد باتوا يومها يقتلهم الخوف. باتوا في خوف بالنيابة عن العالم، وقضوا لياليهم منذ انتهاء العمل بالاتفاقية وهُم في حالة من الذعر، وخرج بعضهم يعقد مؤتمراً صحافياً يحذر فيه من أن العالم يمكن أن يذهب إلى مصير المدينتين إذا أفلت فيه زر نووي طائش!

تظل جماعة «نيهون هيدانكيو» جماعة فريدة حقاً، فليس من بين أعضائها أحد دون الحادية والثمانين؛ لأن الأعضاء جميعهم عاشوا مأساة المدينتين، ولو أن أحداً منهم كان في عُمر سنة يوم ضُربت هيروشيما وناغازاكي، فهو اليوم فوق الثمانين بسنة. من بينهم –مثلاً- تيرومي تاناكا الذي تجاوز التسعين بثلاث سنوات، وعندما تكلم في مؤتمر صحافي دعت له الجماعة في طوكيو، أبدى مخاوفه من انزلاق العالم نحو حرب نووية. ومما قاله تاناكا عن إحساسه إن انزلاقاً كهذا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب، وقال إن مواطني الدول النووية لا يهتمون بما يمكن أن يحدث لمجرد شعورهم بأنهم ينتمون إلى دول قوية، وهذا -في ظنه- محض خداع للنفس؛ لأن انزلاق العالم إلى أي مواجهة نووية يمكن أن يذهب بالجميع إلى دمار مؤكد.

العضوية في الجماعة اليابانية مغلقة بطبيعتها؛ لأن الذين نجوا من محرقة المدينتين اليابانيتين معدودون مهما كان عددهم، ولأنهم جميعاً أعضاء فيها، ولكن المشكلة أن ذهاب العالم إلى أي استخدام للسلاح النووي بعد انقضاء أمد «نيو ستارت» يمكن أن يفتح العضوية في الجماعة بغير سقف، فالناجون وقتها سيكونون على امتداد العالم لا في اليابان وحدها!

الناجي الياباني تيرومي تاناكا لا ينسى ما رآه عندما كان في الثانية عشرة من عُمره، وهو مع رفاقه في جماعتهم ذاقوا ما لم يمر به سواهم، ولذلك عرفوا، ومنتهى أملهم أن يبقوا هُم الناجين الوحيدين، وألا يُضاف إليهم ناجون آخرون في أي استخدام نووي جديد في أي مواجهة.

ذاقت جماعة «نيهون هيدانكيو» فعرفت، وليس مطلوباً من العالم أن يذوق من جديد ليعرف، فما ذاقته هذه الجماعة يكفي عالمنا ويفيض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا الذين ذاقوا في اليابان فَعرَفوا



GMT 10:03 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

العلاج بالصدمة

GMT 10:00 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

أهلا بوزير الإعلام!

GMT 09:57 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

مات البطل وبدأ المسلسل

GMT 09:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

نورية وبهية... والبقية

GMT 09:52 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

كلُّ شيء في روسيا من أجل الحرب!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 05:55 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها
المغرب اليوم - تويوتا تكشف عن أقوى سيارة كهربائية في تاريخها

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح

GMT 09:15 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

حيل بسيطة لجعل ظلال العيون يدوم لساعات طويلة

GMT 05:39 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

مجموعة من النصائح لتجعل غرفة نومك مشرقة

GMT 15:59 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الفانيلا وعرق السوس أهم مكونات Le Parfum de Lolita Lempicka

GMT 14:38 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إدريس لكحل ونزهة غضفة يسبقان فوزي لقجع إلى موسكو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib