إشكاليات الأمن الإقليمي

إشكاليات الأمن الإقليمي

المغرب اليوم -

إشكاليات الأمن الإقليمي

عبد المنعم سعيد
بقلم : عبد المنعم سعيد

ما أعتقده أنه ليس سهلاً على الكتّاب الحديث عن «إشكاليات الأمن الإقليمي» في لحظة حرجة من تاريخ المنطقة التي ذاع ذكرها على أنها الشرق الأوسط. في العادة فإن مثل ذلك يقع عبئه على عاتق مراكز بحوث للتفكير لتتبع مصادر التهديد للمصالح العليا للدول. وهي مراكز لا توجد كلها في إطار الدولة وإنما توجد مثيلاتها خارجها حتى لا تقع جميعها ضحية للتفكير الجماعي الذي كثيراً ما ينتج مقاربات متشابهة ويجعل الخروج عنها من صميم الخروج على الملة. حل المعضلة جعل دوائر صنع القرار تلجأ إلى ما يسمونه «محامي الشيطان» الذي تكون وظيفته تقديم أطروحات مختلفة، وأحياناً متناقضة، مع ما هو ذائع ومسيطر. مثل ذلك لا يكون فاعلاً في الأوقات التي تصبح فيه الإشكاليات مهدِّدة للأمن القومي، حيث تصبح مكوناتها هدفاً للأجهزة الأمنية والمخابراتية المعنية حينما تصبح للعمليات سطوة على التحليل. الأمر هو أن التفكير عملية، ولو أنها مهمة في كل الأوقات، فإن أعظم أوقاتها سابق لمنع الكوارث من الحدوث، والتأكد من أن أحوال الردع للخصوم سوف تكون فاعلة. في المرحلة الراهنة فإن هناك غياباً كاملاً للتفكير القومي بزواياه الاستراتيجية التي تمارس الواقع وتمتد إلى المستقبل الذي يعيش مداه الزمني تحت رعاية كاملة؛ أو أنه يلتبس بالآيديولوجية التي يضلل حماستها الكثير من الحقائق؛ أو أنه ينتهي في النهاية إلى التعبير عن فرد أو أفراد جرى لديهم تصور امتلاك الحقيقة.

وكما هو الحال في كل الصناعات الإنسانية، فإن التفكير بات أمراً مهماً لعمليات اتخاذ القرار في ظل استراتيجيات واضحة. العملية بطبيعتها معقدة، والمثل الحالي في منطقة الشرق الأوسط خير دليل على حروب وأزمات ومحاولات شجاعة للنفاذ بنافذة التنمية والتقدم مضافةً لكل الأهداف الاستراتيجية الأخرى. ما حدث خلال العقود الأخيرة كان حالة من الضمور للتفكير الاستراتيجي الذي نبع من ضعف الإنتاج المباشر عن التحديات سواء كانت وطنية أو قومية. الدراسات على سبيل المثال عن إسرائيل وإيران تراجعت قيمتها وجسارتها؛ بينما ازدهرت كثيراً الدراسات والأعمال الفكرية المتعلقة بالأصوليات الدينية للإسلام السياسي وما تبعه من تنظيمات إرهابية، وبقدر ما كانت هذه مفيدة للمجتمع ونوافذ الرأي في الدولة، وفي المقدمة صانع القرار الذي نجح في الدفع بعيداً بهذه النوعية من التحديات المهددة للدولة الوطنية، فإن مثل ذلك لم يكن آخر القصة حيث ظلت الميليشيات الأصولية العنيفة باقية لكي تخلق مسارات موازية داخل الدولة ومسارات أخرى تتحداها من خارجها.

في أعقاب ما سمِّي «الربيع العربي» تأسس عام 2012 في القاهرة «المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية» كمركز للتفكير. وعبر السنوات الخمس التالية قام المركز بمتابعة وتحليل وتقدير التحولات الإقليمية ذات الطابع الاستراتيجي على ساحة الشرق الأوسط، إضافةً إلى التفاعلات الدولية المؤثرة على الإقليم، على مستوى التطورات الداخلية، والعلاقات الإقليمية، والتوجهات الاقتصادية، والشؤون الأمنية، واتجاهات الرأي العام، عبر أنشطة علمية متعددة. كما أنشأ المركز برامج متخصصة عدة وهي: برنامج الدراسات المصرية الذي يُعنى بالشأن المصري، وبرنامج الحركات الإسلامية الذي يُعنى بظاهرة الحركات الإسلامية والإرهاب في المنطقة، وبرنامج الدراسات الأميركية. وارتكز عمل المركز على شبكة واسعة ومتداخلة من الأنشطة الأكاديمية والاستشارية والتفاعلية، التي تتعلق بالمتابعة التحليلية اليومية للأحداث، وإصدار تقديرات استراتيجية متواصلة حول حالة ومستقبل الإقليم، ونشر دوريات ودراسات تتعلق بالتوجهات الرئيسية التي تتشكل على ساحته، أو القضايا الكبرى التي تثار فيه، وإجراء استطلاعات رأي عام في دوله المختلفة، والعمل في إطار مشاريع وبرامج طويلة المدى مع الشركاء الإقليميين، مع تنظيم ورش عمل وحلقات نقاش وندوات عامة ودورات خاصة، ومؤتمرات إقليمية، في عواصم عدة في المنطقة، مع البث الإلكتروني لمنتجاته العلمية على نطاق واسع. كما أصدر المركز «مؤشراً أمنياً» هو «مؤشر القاهرة» لتتبّع عمليات العنف والإرهاب في مصر ودول المنطقة.

المركز تمتَّع بدرجة كبيرة من الحيوية في التعامل مع التحديات القائمة؛ ولحسن الحظ أنه فتح الأبواب لإنشاء عديد من المراكز بعد ذلك. ولكن المعضلة هي أن التحديات الراهنة، خصوصاً القادمة من إيران وإسرائيل مع بقاء الإرهاب متربصاً، باتت تحتاج ليس فقط إلى الدراسة والتمحيص، وإنما أكثر من ذلك إلى التعرف إلى تلك التحديات في مناخ العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. أصبحت الدراسات عن إسرائيل شحيحة ولا تتعرف إليها ليس فقط من زوايا الصراع، وإنما أيضاً من زاوية المشاركة في السلام. الأمر فيه كثير من التعريفات والتفاصيل، والتعرف إلى ما هو قائم ومتبقٍّ من عصور مضت واجبٌ في مرحلة دقيقة مثل تلك التي نعيش فيها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إشكاليات الأمن الإقليمي إشكاليات الأمن الإقليمي



GMT 23:28 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

دعوة جميلة من الأزهر... لكن العقبة إيران

GMT 23:26 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

نكتة الموسم… وساطة إيرانية في اليمن

GMT 23:24 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هوبز وفيبر أم نوّاف الموسوي؟

GMT 23:22 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

هل من ضوء فى نهاية النفق؟

GMT 23:20 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مباراة فى المغرب

GMT 23:18 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

الكونغ فو والخلايا الجذعية

GMT 23:15 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أمريكا التى عرفتها !

GMT 23:13 2026 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

عادل إمام يطل على (الجونة)!!

الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 20:00 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

ماكرون يتهم اليسار المتطرف بتنظيم أعمال الشغب في فرنسا
المغرب اليوم - ماكرون يتهم اليسار المتطرف بتنظيم أعمال الشغب في فرنسا

GMT 06:50 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي علي نصائح لإنشاء حديقتك الخاصة في مساحة صغيرة

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 00:25 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

ثابت يؤكّد أن السلام زغرتا لعب متحفظًا أمام الرجاء

GMT 13:24 2016 الأربعاء ,26 تشرين الأول / أكتوبر

إبتعدِ عن الجاكيت الجينز الواسع الذي يجعلِك سمينة

GMT 23:45 2023 الخميس ,01 حزيران / يونيو

الكشف عن مصمم فستان زفاف رجوة الحسين
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib