خرج العديد من القطع الأثرية من مصر، سواء بالطرق الشرعية أو بالتهريب. وقد عانينا على مدار أكثر من 150 سنة من لصوص الأثار؛ يدبرون لنهب المواقع الأثرية والسطو عليها، وتهريب الآثار إلى خارج البلاد وبيعها فى أسواق الأنتيكات سواء المرخصة بمستندات مزيفة أو الغير المرخصة. وشهدت مصر أكبر عمليات للسطو على آثارها خلال القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر، وقد كتب أحد الكتاب الأمريكيين كتابًا عن هذه السرقات أطلق عليه اسم «اغتصاب نهر النيل». أخبارمصر
وهناك العديد من القصص الخاصة بسرقة الآثار المصرية، وبعضها خاصة بمن يطلق عليهم اسم علماء مصريات! فقد جاء إلى مصر واليس بدج، وهو إنجليزى تولى منصب أمين الآثار المصرية بالمتحف البريطانى، ومن الوقاحة أنه كتب عن كيفية حصوله على آثارنا وتهريبها إلى المتحف البريطانى. ومن ضمن هذه القصص قصة «بردية آنى»، التى تعتبر من أهم وأجمل البرديات التى تم الكشف عنها فى الأقصر. وقد وضع بدج خطة للحصول عليها، فاشترى كبابًا وخمراً، وذهب به إلى الحراس لكى يأكل معهم، وفى الوقت نفسه كان هناك اتفاق بينه وبين بعض اللصوص على الحفر أسفل مخزن الآثار، حتى استطاعوا سرقة البردية، وقاموا بتقطيعها لتسهيل تهريبها إلى الخارج.
ولا أعرف كيف تتم إدارة المتحف البريطانى، وقد كشف خلال السنوات الماضية عن فقدان نحو ألفى قطعة أثرية من مجموعاته. وقد استضافنى أحد البرامج التليفزيونية على الهواء مباشرة، وكان معى أحد خبراء الآثار بالمتحف البريطانى، وقال إنهم يحافظون على الآثار المصرية أكثر منا! فما كان منى سوى أن لقنته درسًا عنيفًا وقاسيًا، وقلت له: أنت لم تستطع أن تحرس متحفك، وسرق منكم نحو ألفى قطعة أثرية، فكيف تتحدث عن آثارنا؟
وكان من أشهر الذين أخرجوا الآثار المصرية من مصر الإيطالى جيوفانى بلزونى، الذى كان يعمل فى عروض السيرك، ثم اتجه إلى البحث عن الآثار، واستطاع خلال مدة قصيرة اكتشاف مقبرة الملك سيتى الأول، والعمل فى معبد أبو سمبل، وفتح مدخل هرم خفرع بالجيزة. كما نقل تابوت الملك سيتى الأول إلى إنجلترا، حيث يوجد الآن بمتحف السير جون سوان فى لندن، وأخرج العديد من التماثيل والآثار المصرية وباعها إلى المتحف البريطانى، وكأنها إرث تركه له أبيه أو أمه!
كما تسابق قناصل الدول الاستعمارية على العمل فى سرقة وبيع أثارنا، ومنهم القنصل البريطانى هنرى سولت، الذى جاء إلى مصر عام 1815، وتنافس مع القنصل الفرنسى برناردينو دروفيتى على جمع الآثار المصرية واقتنائها. وكان جوزيف بانكس، رئيس الجمعية الملكية البريطانية، قد شجع سولت على جمع الآثار لصالح المتحف البريطانى. ولم يكن راتبه السنوى يكفى لتغطية نفقات القنصلية، لذلك اتجه إلى تجارة الآثار.
أما دروفيتى، الذى تولى منصب القنصل الفرنسى فى مصر بعد الحملة الفرنسية، فقد جمع الآثار المصرية لصالح المتاحف الأوروبية. وكان التنافس بين القنصلين شديدًا، حتى وصل الأمر إلى حدوث مشاجرات بين رجالهما أثناء الحفائر، ولذلك اتفقا على تقسيم مناطق جمع الآثار بينهما، بحيث تكون الآثار الموجودة فى البر الشرقى للنيل من نصيب القنصل الفرنسى دروفيتى، أما الآثار الموجودة فى البر الغربى فتكون من نصيب القنصل البريطانى سولت. وهكذا قاما بتقسيم آثار مصر بينهما، وكأنها ملك خاص لهما، واستمرت عمليات جمع الآثار وبيعها لمتاحف أوروبا، ومنها متاحف لندن وباريس وتورينو.
وكان كل منهما يستعين برجال يعملون لحسابه فى الحفائر ونقل التماثيل، كما سعوا إلى إقامة علاقات قوية مع المسؤولين المصريين للحصول على التصاريح. وقد حصل المتحف البريطانى على مجموعات من آثار سولت، بينما وصلت مجموعات دروفيتى إلى متاحف أوروبية أخرى. وكان هذا التنافس سببًا فى خروج قطع أثرية عديدة من مصر، وهى القطع التى لا تزال معروضة حتى اليوم فى متاحف الدول الاستعمارية. أخبارمصر
ولم يكن الصراع بين القنصلين منافسة شخصية، بل تحول إلى سباق لجمع الآثار، حتى إن كلًا منهما كان يحاول الوصول إلى المواقع قبل الآخر، وكانت مصر هى الضحية وهى الخاسر. وقد خرجت آثار مصرية مهمة إلى الخارج، ومنها رأس نفرتيتى الموجود فى متحف برلين، وحجر رشيد الموجود بالمتحف البريطانى، والزودياك، أو حجر الأبراج السماوية، الموجود بمتحف اللوفر. وقصة خروج الزودياك معروفة، فقد ذهبت مجموعة إلى معبد دندرة عام 1821، وقامت بقطع القبة السماوية من سقف المعبد ونقلها إلى فرنسا.
ولم يكن أمناء المتحف البريطانى يعطون حجر رشيد المكانة التى يستحقها، ولذلك كان معروضًا فى مكان مظلم. وعندما ذهبت إلى المتحف البريطانى لإلقاء محاضرة، أقام مدير المتحف حفل عشاء لى داخل قاعات عرض الآثار، وألقى كلمة ترحيب، وبعد ذلك قمت بالرد عليه.
وقلت إنه أثناء تناول العشاء جاء إليّ الملك رمسيس الثانى، وقال لي: «يا زاهى، أنا أعيش هنا منذ أكثر من مائة عام، ولا أتحمل، وأريد أن تأخذنى معك إلى مصر». وجاءنى أيضًا الملك تحتمس الثالث، وقال لى الكلام نفسه، ولكن الملكين اتفقا مع بعضهما، وجاءا يقولان لي: «خذ معك حجر رشيد، لأنه ملك لمصر، ويعتبر أيقونة مصرية، ونحن يمكن أن نأتى بعد ذلك».
وفهم الحاضرون المعنى ونشرت الصحف الإنجليزية فى صفحاتها الأولى أننا نطالب بعودة حجر رشيد إلى مصر. ولذلك قام أمناء المتحف بنقل الحجر ووضعه فى أهم مكان بالمتحف، وأحاطوه بالإضاءة من كل جانب.
وتعود قصة الحجر إلى عام 1799، عندما عثر عليه أحد ضباط الحملة الفرنسية، ويُدعى بوشار، بالقرب من مدينة رشيد. وقد شهد الحجر نزاعًا كبيرًا بين الفرنسيين والإنجليز، فعندما انتصر الإنجليز على الفرنسيين فى الإسكندرية عام 1801، طالبوا بتسليم الآثار التى كانت بحوزة الفرنسيين، ومن بينها حجر رشيد. وقد رفض علماء الحملة الفرنسية فى البداية تسليم الحجر، وحدث خلاف شديد بين الطرفين، ولكن انتهى الأمر بحصول الإنجليز عليه بموجب اتفاقية استسلام الإسكندرية عام 1801، ونُقل إلى إنجلترا عام 1802، وأصبح من أهم الآثار المعروضة بالمتحف البريطانى.