تشكلت لجنة عليا لدراسة عودة الآثار المصرية المسروقة بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وضمت فى عضويتها عددًا من كبار رجال القانون الدولى والدبلوماسية المصرية، من بينهم الدكتور نبيل العربى، والسفير عبد الرؤوف الريدى، والسفير نبيل فهمى، والسفير وجيه حنفى، والدكتور مصطفى الفقى، إلى جانب مندوبين من الأمن القومى والأمن الوطنى، وعدد من أعضاء المجلس الأعلى للآثار، ومن بينهم المستشار أشرف العشماوى، ومدير إدارة الآثار المستردة، والدكتور صبرى عبد العزيز، رئيس قطاع الآثار المصرية فى ذلك الوقت، فضلًا عن عدد من كبار المسؤولين والمتخصصين فى الآثار المصرية. وفى الوقت نفسه، كان هناك مكتب فنى برئاسة الدكتورة جانيس كامرين، وعددًا من المتخصصين والمتطوعين من مصر ومن دول مختلفة فى حول العالم، وقام هذا المكتب بدراسة جميع الأدلة والوثائق المتعلقة بخروج رأس الملكة نفرتيتى من مصر، ثم قدم دراسة متكاملة للعرض على اللجنة القومية لاستعادة الآثار.
وجاءت الدراسة تحت عنوان «طلب رسمى لاستعادة قطعة أثرية»، وتقدمت جمهورية مصر العربية، ممثلة فى المجلس الأعلى للآثار، بهذا الطلب إلى مؤسسة التراث الثقافى البروسى Stiftung Preußischer Kulturbesitz فى برلين - جمهورية ألمانيا الاتحادية، لاستعادة رأس الملكة نفرتيتى المصنوع من الحجر الجيرى الملون، والمسجل برقم AM 21300، ضمن مجموعة المتحف المصرى فى برلين. وقد ارتكز الطلب على مجموعة من النقاط القانونية والتاريخية المهمة، التى تؤكد أن خروج رأس نفرتيتى من مصر لم يتم بصورة طبيعية أو خالية من الشبهات. فمنذ إصدار مرسوم عام 1825، نظم القانون المصرى عملية الكشف عن الآثار وخروجها من البلاد. وخلال الفترة التى تم فيها اكتشاف رأس نفرتيتى فى 6 ديسمبر 1912، كانت الآثار المصرية خاضعة بالفعل لأحكام واضحة تنظم عمليات الكشف وخروج الأثار من مصر.
وقد أكدت المادة الأولى من قانون عام 1912، الصادر فى 12 يونيو 1912، هذا المبدأ، كما أعيد التأكيد عليه فى المادة السابعة من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار لعام 2010. كذلك نصت المادة الحادية عشرة من مرسوم عام 1912، الذى بدأ تطبيقه فى الأول من يناير 1913، على وجود عملية لتقسيم القطع الأثرية المكتشفة خلال عمليات الحفائر المصرح بها، مع ضرورة عرض القطع الأثرية على ممثل مصلحة الآثار وإعداد قوائم دقيقة بها.
وقد تم إعداد القائمة الرسمية الخاصة بقسمة آثار حفائر تل العمارنة، وهى الوثيقة المعروفة بالفرنسية باسم Procès-verbal du partage، والتى تمت على أساسها عملية القسمة بين الجانب المصرى والبعثة الألمانية. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فقد احتوت هذه الوثيقة على وصف لرأس نفرتيتى باعتباره «رأس أميرة من العائلة المالكة مصنوعًا من الجبس الملون»، بينما يكشف هذا الوصف عن خطأين جوهريين. الأول أن التاج الأزرق الشهير الذى ترتديه نفرتيتى كان واضحًا، وكان من الممكن من خلاله معرفة أن الرأس لا يمثل أميرة وإنما هى الملكة نفرتيتى نفسها.
أما الخطأ الثانى، والأكثر أهمية من الناحية القانونية فهو أن الرأس لم يكن مصنوعًا من الجبس، وإنما من الحجر الجيرى المغطى بطبقة من الجبس الملون.
وهذا التعريف الوارد فى محتوى القائمة ينتهك عددًا من مواد القانون المدنى المصرى، خاصة المادة 133 من مرسوم 14 يناير 1883، التى تتناول الحالات التى تشوب الإرادة، مثل الإكراه والاحتيال والخطأ، وما يمكن أن يترتب عليها من بطلان الاتفاق. ولذلك فإن وجود هذه الأخطاء فى محتوى القائمة، بصرف النظر عن مدى معرفة المكتشف- لودفيج بورخارت- بها أو موافقته عليها، يثير الشك حول قانونية عملية التقسيم نفسها، ويجعلها محل طعن من الناحية القانونية.
وتدعم الأدلة وشهادات الشهود التى ترجع إلى فترة التقسيم فكرة أن ما حدث لم يكن مجرد سوء تقدير من لودفيج بورخارت، وإنما كان خداعًا للجانب المصرى. فعندما عثر بورخارت على الرأس، قام بتسجيلها فى مذكراته، وأرفق وصفه برسم صغير واضح، وذكر أنها «رأس ملون بالحجم الطبيعى لملكة بأسلوب رائع». وبعد نحو شهر ونصف، ذكر فى مذكراته يوم 20 يناير 1913، وهو يوم التقسيم، أن «الملكة الملونة» مصنوعة من حجر صلب، كما أشار فى تسجيله الشخصى المتعلق بالتقسيم إلى أنها «ملكة ملونة». وهذا يعنى أن بورخارت كان يعرف تمامًا هوية صاحبة الرأس وطبيعة المادة المصنوعة منها قبل إجراء عملية القسمة؟!
وذكر عالم الآثار جوستاف جوتربوك، فى خطاب مؤرخ فى 12 أغسطس 1924، أنه رفض وصف الرأس بأنها مصنوعة من الجبس، وأن بورخارت أخبره بعد انتقال الرأس إلى ألمانيا بأنه صحح هذا الخطأ فى التعريف، وأن الرأس مصنوع من الحجر الجيرى. كما ذكر جوتربوك أن المفتش المصرى لم ير سوى صورة فوتوغرافية للرأس، وأنه قام بفحص سطحى للقطع المدرجة فى قائمة القسمة، والتى كانت محفوظة داخل صناديق مفتوحة وفى ظروف إضاءة سيئة. وأعرب جوتربوك عن رأيه فى أن طريقة عرض القطع لم تكن تساعد على إظهار جمالها وقيمتها الحقيقية، ورأى أن بورخارت قام بمكيدة عند صياغة بروتوكول القسمة بما يخدم حصول الجانب الألمانى على رأس نفرتيتى.
إن إدراج الرأس ضمن مجموعة القطع المصنوعة من الجبس كان من شأنه أن يزيد من فرصة حصول الجانب الألمانى عليها باعتبارها قطعة أقل قيمة، كما أن وصف صاحبة الرأس بأنها «أميرة» بدلًا من «الملكة نفرتيتى» أدى إلى التقليل من أهميتها التاريخية والأثرية. ورغم أن بورخارت لم يكن وحده المسؤول عن توقيع جميع وثائق القسمة، فإنه كان رئيس البعثة الألمانية والمسؤول عن محتوياتها وعن البيانات المقدمة بشأن القطع المكتشفة.
وتزداد الشكوك عندما نعلم أن رأس نفرتيتى لم يعرض أمام الجمهور فور وصوله إلى ألمانيا، وإنما ظلت بعيدة عن الأنظار لسنوات، ولم تعرض للجمهور إلا عام 1923. وخلال هذه الفترة لم تحظ الرأس بالنشر الذى يتناسب مع قيمته وجماله، فى الوقت الذى تم فيه الإعلان عن قطع أخرى من مكتشفات البعثة. ومن هنا يبقى السؤال: لماذا ظلت أجمل قطعة عثر عليها بورخارت فى تل العمارنة بعيدة عن الجمهور طوال هذه السنوات؟ وهل كان الهدف أن تمر فترة كافية قبل أن تدرك مصر القيمة الحقيقية للقطعة التى خرجت من أراضيها؟
إن الوثائق والشهادات تضع أمامنا صورة واضحة تؤكد أن خروج رأس الملكة نفرتيتى من مصر لم يكن أمرًا طبيعيًا، وأن ما حدث أثناء عملية القسمة يستحق إعادة النظر فيه قانونيًا وأخلاقيًا.