الحقوني مافيا الدواء بتحاربني

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني!

المغرب اليوم -

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

نسمع هذا الصراخ بشدة هذه الفترة خاصة مع التحقيق مع الطبيب الذى تجاوز حد الفتوى الطبية غير المبنية على أدلة، إلى مرحلة القتل مع سبق الإصرار والترصد، والكلام المرسل على الميديا المخلوط بهلوسات وضلالات البارانويا الحادة، وهذه ليست أول مرة، ولا أول شخص، سواء طبيب أو لا ينتمى للطب، لكن المشهد يتكرر وبانتظام، خاصة فى مجتمع يفتقر إلى أبسط أبجديات التفكير العلمى، السيناريو: شخص يخرج على الناس مدعيًا اكتشاف «دواء خارق» يشفى من أمراض مستعصية، وما إن يُسأل عن الدليل العلمى حتى يبدأ فى سرد قصة جاهزة: «مافيا الدواء تحاربنى»، «الشركات العالمية تريد إسكاتى»، «الطب الحديث سموم»، و«العلاج البديل هو الحل»، هذه السردية لا تُستخدم للدفاع عن اكتشاف حقيقى، بل تُستخدم غالبًا للهروب من سؤال واحد بسيط: أين الدليل؟، العلم لا يعمل بالقصص ولا بالمظلومية، ولا باللايفات واللايكات، بل يعمل بالبرهان، وأى شخص يدّعى علاجًا طبيًا يصبح – تلقائيًا – مطالبًا بإثبات ادعائه وفق قواعد البحث العلمى المعروفة، وليس بإلقاء التهم على كيانات غامضة بلا أسماء ولا مستندات، فالاكتشاف العلمى مثل الزواج، لابد للاعتراف به من إشهار، والإشهار له قواعد، نشر فى مجلة علمية محكمة، وليس فى مجلة ميكى أو البعكوكة، وعرض فى مؤتمر دولى، وليس فى مؤتمر حول حمام سباحة أحد الفنادق فى العين السخنه!، أول ما يفضح ادعاء وخرافة «مافيا الدواء» هو الواقع الاقتصادى نفسه، صناعة الدواء ليست كيانًا واحدًا متآمرًا، بل آلاف الشركات المتنافسة بشراسة، أى علاج فعّال بالفعل يمثل فرصة ذهبية لتحقيق أرباح ضخمة، وليس عبئًا يجب دفنه، «مافيا الدواء» هذه، لو كانت موجودة فعلًا، فهى أغبى منظمة عرفها التاريخ. منظمة تمتلك المال والعلم والنفوذ، لكنها – بشكل غريب– تقرر ألا تستفيد من علاج فعّال يدر مليارات الدولارات، وتكتفى فقط بمطاردة مكتشف عبقرى يظهر على فيسبوك لايف، لو الدواء الذى يتحدث عنه حقيقى، فهناك ثلاثة سيناريوهات فقط، إما أن تشتريه شركات الدواء، أو تتصارع عليه، أو تقلده خلال شهور، أما سيناريو «يتركوه ويحاربوه» فهذا يصلح لفيلم درجة ثالثة، لا لنقاش علمى، تاريخ الطب ملىء بأدوية دمّرت أسواقًا كاملة من الأعشاب والعلاجات الفاشلة، ومع ذلك لم تُخفَ، مثل البنسلين الذى أنهى عصر الوفيات الجماعية من العدوى البكتيرية، والإنسولين الذى حوّل السكرى من حكم بالإعدام إلى مرض يمكن التعايش معه، واللقاحات التى قضت على أوبئة كانت تحصد ملايين الأرواح. لو كانت هناك «مافيا دواء» تمنع العلاج الحقيقى، لما رأى أى من هذه الاكتشافات النور، ثم يأتى الادعاء الشائع بأن «الأدوية الكيميائية سموم» مقابل «العلاج الطبيعى الآمن»، هذا تبسيط مضلل وخطير، فالطبيعة مليئة بالسموم القاتلة، من السيانيد إلى الزرنيخ إلى سموم الأفاعى، وكلها مواد طبيعية بالكامل.

فى المقابل، كثير من الأدوية الصناعية تُنقذ الحياة لأنها خضعت للتجربة والقياس وضبط الجرعات، السمية ليست صفة أخلاقية، بل مسألة جرعة وتأثير. المادة الواحدة قد تكون دواءً منقذًا بجرعة، وسمًّا قاتلًا بجرعة أخرى.

الدجالون يتعمدون أيضًا الغموض. لا يشرحون آلية عمل الدواء، ولا يحددون جرعات واضحة، ولا يذكرون آثارًا جانبية، ولا يقدمون نتائج تجارب إكلينيكية منشورة، ولا يسمحون بمراجعة مستقلة. هذا الغياب ليس علامة عبقرية، بل علامة احتيال. العلم بطبيعته شفاف، وكلما كان الادعاء أكبر، كان مطلوبًا منه دليل أقوى، الاكتشاف العلمى الحقيقى لا يُحارب بالصمت أو بالاخفاء، بل يُختبر، الباحث الذى يملك علاجًا فعّالًا ينشره فى مجلة علمية محكّمة، يخضع للنقد، ثم يراه يتكرر فى أبحاث مستقلة، إن ثبت نجاحه، تحتفى به المؤسسات العلمية، وقد يحصل صاحبه على جوائز عالمية، لا على مقاطع «لايف» غاضبة على وسائل التواصل، الدجال لا يقدم أبدًا: آلية عمل واضحة، جرعات محددة، دراسات منشورة، مجموعات مقارنة، آثار جانبية، ولا حتى أرقام حقيقية، كل ما يقدمه قصص غامضة، وتجارب شخصية، وعبارات من نوع «العلماء مصدومين»، و«نتائج مذهلة»، و«سيغيّر تاريخ الطب»، و«أمريكا بتتهز»، والغريب أن تاريخ الطب لا يسمع عنهم أبدًا، العلم يا سادة لا يُدار باللايفات، ولا بالشتائم، ولا بلعب دور الضحية، العلم بسيط وصارم وما بيهزرش: انشر بحثك.، دع الآخرين يراجعونه، اسمح بتكراره، وإن كان صحيحًا، سيقف العالم كله خلفك، وستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لا من بوابة البلاغات والنظريات، الحقيقة المؤلمة للدجالين أن الاكتشافات الحقيقية لا تحتاج صراخًا ولا مؤامرات. تحتاج فقط إلى بيانات، وعندما تغيب البيانات، تظهر «مافيا الدواء» كحكاية لتنويم الجمهور، وابتزاز المرضى، وبيع الأمل بدل العلاج، يا سادة، من يملك علاجًا حقيقيًا، يواجه العالم بالعلم، ومن لا يملك، يواجهه بنظرية مؤامرة، وبين الاثنين.. فرق واضح لا يراه فقط من يريد أن يُخدع، المدمن لأن ينصب عليه، اللافت أن من يروجون لخرافة «مافيا الدواء» لا يكتفون بتضليل المرضى، بل يستغلون خوفهم ويبيعون لهم أملًا زائفًا، وهذا أخطر من الكذب نفسه، لأن ثمنه يكون أحيانًا حياة إنسان تأخر عن علاج حقيقى، أو ترك دواءً مثبت الفاعلية لصالح وصفة بلا دليل، العلم لا يخاف من الاكتشافات، لكنه يرفض الدجل، الاكتشافات الحقيقية تُختبر، تُكرر، وتُثبت. أما نظريات المؤامرة فهى الملاذ الأخير لمن لا يملك دليلًا، ولا يريد أن يملكه. وبين العلم والوهم، يظل الفارق واضحًا: الأول يطلب البرهان بالتجربة المعملية، والثانى يطلب التصديق بالفهلوة وبشيك على بياض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحقوني مافيا الدواء بتحاربني الحقوني مافيا الدواء بتحاربني



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

المتحرِش والمتحرَّش بها والمتفرجون

GMT 08:48 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإعلام في حكومة مدبولي

GMT 08:46 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عباءة تخلعها اليابان

GMT 08:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الفرق بين وزير ووزير

GMT 08:32 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2020 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

التشريح الطبي يحدد سبب وفاة الطفلة "غزلان" في آسفي

GMT 00:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

ظافر العابدين يؤكد أنه لن يخوض سباق رمضان 2019

GMT 14:50 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

توقيف شاب سرق "معزة" من امرأة قروية في بني ملال

GMT 06:38 2018 السبت ,30 حزيران / يونيو

مجدي عبد الغني ينفي.. وبوابة أخبار اليوم تتحدى

GMT 13:29 2016 السبت ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شركة مرسيدس تكشف النقاب عن E63 و E63 S

GMT 08:14 2021 الخميس ,13 أيار / مايو

Tab 9من بلاك فيو تابلت بمواصفات لاب توب

GMT 02:36 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر الدرهم المغربي مقابل الجنيه المصري الخميس

GMT 12:52 2018 الثلاثاء ,27 آذار/ مارس

السيسي وثورة بيضاء على إعلام "الثرثرة"

GMT 07:41 2016 الإثنين ,19 كانون الأول / ديسمبر

الاعلامية ماجدة القاضي تحب العمل في التليفزيون المصري

GMT 08:29 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

نغم منير تطلق تصميمات غير تقليدية من "الكيمونو"

GMT 11:37 2017 الثلاثاء ,08 آب / أغسطس

توقعات أحوال الطقس في كلميم الثلاثاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib