مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

المغرب اليوم -

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

ما نراه حولنا فى كل تصرفاتنا وسلوكياتنا من استباحة واقتحام المساحة الخاصة للمواطن، يعكس حقيقة دامغة بأننا ما زلنا لم ندخل باب المدنية الحديثة بعد، تحدثنا فى مقال سابق عن عدم احترامنا للفضاء العام المشترك، واليوم نتحدث عن مرض الحشرية الذى يسكن تحت جلودنا، فنعتبر البشر باترونات لأفكارنا، وقوالب لمفاهيمنا، وانعكاسات لأوهامنا التى تحتل أدمغتنا، ولذلك كتب علينا أن نناقش بديهيات حسمها العالم منذ قرون، بداية من اعتبار «البحلقة» بلزوجة إلى امرأة أو فرض زى يكفنها، وحتى اقتحام جماجم الناس للتفتيش عن صحة أفكارهم من وجهة نظر فضيلتك!، الحدود بين الخاص والعام عندنا ضبابية، الجسد، المظهر، العلاقات الشخصية، والاختيارات الفردية كثيرًا ما تُعامل باعتبارها شؤونًا قابلة للتعليق والمساءلة والتدخل، لا بوصفها حقوقًا خاصة محمية، هذا الخلط يجعل الفرد حاضرًا دائمًا فى مرآة الجماعة، لا فى حيزه الشخصى المستقل، ويُعد احترام المساحة الشخصية أحد المعايير الأساسية لقياس نضج أى مجتمع، ليس بوصفه سلوكًا اجتماعيًا فحسب، بل كقيمة أخلاقية وقانونية تعكس نظرة المجتمع إلى الفرد وحدوده وكرامته، لكن عندنا ما زال يُقاس السلوك بمدى توافقه مع «الصورة المقبولة» اجتماعيًا، لا بمدى احترامه لحرية الشخص وراحته النفسية، هكذا تتحول الرقابة إلى ممارسة يومية يمارسها الناس على بعضهم البعض، لا باسم القانون، بل باسم العرف، والسمعة، والخوف من كلام الآخرين.

فى قلب التجربة العلمانية الحديثة يبرز مفهومٌ أساسى غالبًا ما يُساء فهمه أو يُهمَل، اسمه، المساحة الشخصية، هى ليست بهرجة أو زائدة دودية أو ترفًا اجتماعيًا ولا نزوة فردية، بل حقٌّ أخلاقى وقانونى يضمن كرامة الإنسان، ويؤسس لعلاقة صحية بين الفرد والمجتمع، العلمانية نحن نفهمها على أنها ممارسة سياسية فقط، الحق يقال إنها ممارسة اجتماعية أصلا، لا تبدأ من السياسة، بل من الجسد، والضمير، والحياة الخاصة؛ من الاعتراف بأن لكل إنسان حدودًا لا يجوز تجاوزها، لا باسم الدين، ولا الأخلاق، ولا الأغلبية، ولنأخذ التعريف الأكاديمى، المساحة الشخصية هى المجال الذى يملك فيه الفرد حق السيطرة على ذاته، ويشمل: جسده وحدوده الفيزيائية، أفكاره ومعتقداته، حياته الخاصة وخياراته الشخصية، نمط عيشه ما دام لا يعتدى على غيره، وهى المنطقة التى يُفترض أن تكون محمية من التدخل غير المرغوب فيه، سواء كان هذا التدخل جسديًا، لفظيًا، أو معنويًا، يقول جون ستيوارت ميل: «حرية الفرد تنتهى عندما تبدأ حرية الآخرين»، هذه القاعدة ليست قانونًا فقط، بل مبدأ أخلاقى يُلزم المجتمع بعدم اقتحام حياة الفرد طالما لم يُلحق ضررًا بغيره، لماذا قلنا إن العلمانية ليست سياسة فقط، العلمانية، فى معناها العميق، تقوم على الفصل بين الخاص والعام، وهذا الفصل لا يحمى الدولة فقط من التديُّن القسرى، بل يحمى الفرد من الوصاية، فى المجتمع العلمانى لا يُسأل الإنسان عن إيمانه، لا يُراقَب سلوكه الخاص أخلاقيًا، لا يُطالَب بتبرير خياراته الشخصية، طالما أن سلوكه لا يعتدى على حقوق الآخرين أو النظام العام، ما نراه عندنا هو عكس ذلك تماما، فاقتحام المساحة الشخصية يحدث بطرق متعددة، منها: التدخل فى الملبس أو الجسد أو العلاقات الخاصة، فرض النصيحة الأخلاقية دون طلب، والوصاية الدينية على السلوك الفردى، التجسس الاجتماعى باسم «الحرص» أو «الأمر بالمعروف»، تحويل الذوق الشخصى إلى معيار أخلاقى عام، فتجد مثلا مجموعة من الملتحين يذهبون إلى الناس على المقاهى والبلاجات للوعظ والزجر والنهى عن المنكر!!، السؤال ببساطة: انت مال حضرتك؟، «إيش دخل وأخشش مناخير فضيلتك فى حياتى؟، وإيش عرفك إن ده المنكر هل معاك التوكيل أو مازورة الأخلاق؟!».

كل هذه الممارسات، مهما بدا ظاهرها أخلاقيًا، تُعد انتهاكًا مباشرًا لحرية الفرد، لابد أن نعرف الفرق بين النصيحة والوصاية، العلمانية لا تمنع النصح، لكنها ترفض الإكراه الأخلاقى، لكن ماذا يحدث حين لا تُحترم المساحة الشخصية؟، عندما تُلغى الحدود الفردية ينتشر النفاق الاجتماعى، وتتحول الأخلاق إلى أداة قمع، يُراقَب الجسد والضمير، يختفى الإحساس بالأمان النفسى، النتيجة النهائية مجتمع مشحون، خائف، مذعور، يخلط بين الفضيلة والقهر، احترام المساحة الشخصية ليس أنانية، بل أخلاق مدنية راقية، وهو جوهر العلمانية والدولة المدنية بوصفها نظامًا يحمى الإنسان من الإنسان، فى المجتمع العلمانى لا يقول لك أحد: كيف تعيش؟، بل يسألك فقط: هل أذيت غيرك؟، وما عدا ذلك انت حر، شأنك الخاص.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة



GMT 05:45 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شهادة من اليابان!

GMT 05:43 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

شجاع بين متخاذلين

GMT 05:36 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

ما بعد الأسبوع الرابع ؟!

GMT 05:31 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

معشرك

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

جلسة مسائية مع أسرة طهرانية

GMT 05:29 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

طرابلس في حرب إيران

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

القراءة المبكرة... هل تحققت؟

GMT 05:27 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

«أرتميس ــ 2» وأوان العودة إلى القمر
المغرب اليوم - مسيّرة إيرانية تستهدف مجمع الوزارات في الكويت

GMT 15:46 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد
المغرب اليوم - عائشة بن أحمد تشوق محبيها بعمل فني جديد

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 18:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 18:36 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 19:17 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 16:39 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تعيش ظروفاً جميلة وداعمة من الزملاء

GMT 07:43 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:00 2017 الأربعاء ,15 شباط / فبراير

شركة "بورش" تعلن عن مركبتها المميّزة "باناميرا 2018"

GMT 12:41 2023 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

الطابع العصري يطغى على إطلالات ريم السعيدي في 2023

GMT 20:32 2016 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان لعلاج القرح والجروح

GMT 12:10 2023 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

إردوغان يؤكد أن إسرائيل دولة إرهابية وأن نهاية نتنياهو اقتربت
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib