تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون

تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون

المغرب اليوم -

تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون

بقلم : عبد الرحمن شلقم

وسائلُ الإعلام، عنوانٌ يحتوي حزمةً كبيرةً ومتنوعة من أدوات للاتصال والتواصلِ الفردي والجماعي، بين الحشودِ المختلفةِ من الناس. يختلف القائلونَ والكاتبونَ والفاعلون والمستمعون والمشاهدون، والمرسلون والمتسلمون، والمنتجون والمستهلكون. العواطفُ والأحكام المسبقة، والاصطفاف العقيدي والسياسي، لها تأثيرٌ فاعلٌ في كل الحالات. رجالُ السياسة تختلف مراتبهم ومراكزهم، وكل نظام حكم له خرائطه الصوتية ودرجات انفعالاتها. علمُ النظريةِ السياسية، به فرع يُسمى «تحليل المضمون» يستعين به صانعو القرار السياسي، ومراكز البحوث السياسية؛ لفهم الدوافع المحركة لما يصدر عن القادة والوزراء ومساعديهم، من قرارات وخطب وبيانات وتصريحات. في زمن الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب، ينشط الخبراء والباحثون، في غرف عمليات مغلقة يضعون فيها ما يصدر عن الخصوم، وحتى الحلفاء والمؤيدين، من تصريحات وبيانات وآراء على وسائل الإعلام، وما يصل من معلومات سرية عبر أجهزة المخابرات، ويسهرون على تفكيكها لقراءة ما يغوص فيها.

في علم التكتيك العسكري، هناك عمليات تُسمى «الإنزال خلف خطوط العدو». مهمة المحللين السياسيين، الإنزال في ميدان عقل الخصم. محطات خطيرة في تاريخ المواجهات والصراعات الإقليمية والدولية، قاتلت فيها العقول بسلاح تفكيك المعلومات، التي ترشح من الخصم وعنه. في الحرب العالمية الثانية، كان الهجوم الألماني على خليج غدانسك البولندي، الشرارة التي أشعلت الحرب. أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا. اندفع الجيش النازي واحتل فرنسا والأراضي الواطئة، انسحب الجيشان البريطاني والفرنسي من ميناء دنكرك. شنَّ الطيران الألماني غارات مُدمِّرة على لندن، ووجدت بريطانيا نفسها وحيدة تواجه قوة جوية ألمانية، لا سابق لها في التاريخ. قرر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل المقاومة. ارتفعت أصوات داخل بريطانيا، تقدح في القدرات القيادية لرئيس الوزراء تشرشل. خلال الحرب العالمية الأولى، كان ونستون تشرشل وزيراً للبحرية، وقامت القوات البريطانية والفرنسية، بهجوم على مضيق غاليبولي التركي؛ للسيطرة على مضيق الدردنيل، لكن الهجوم فشل وقُتل فيه آلاف الجنود من الحلفاء، وكانت الخسارة مروعة.

تشرشل تعلم كثيراً من كارثة غاليبولي. أولاً المعلومات الدقيقة عن القدرات العسكرية للعدو، وعن تفاصيل تحركاته التكتيكية وأهدافه الاستراتيجية، ومتابعتها دون توقف، وإعداد الخبرات المؤهلة القادرة على تحقيق ذلك. آلاف من الضباط والخبراء العسكريين والعلماء البولنديين، جاءوا إلى بريطانيا، بعد الغزو الألماني لبلادهم. قدموا خدمة لا تقاس بثمن، عندما نجحوا في فك الشيفرات العسكرية النازية، بتقنية «الأنيغما». ثانياً تطوير تقنية الرادار القادر على تحديد حركة الطيران الألماني بدقة، على شاشات يجلس أمامها خبراء متفوقون. ثالثاً متابعة كل ما يصدر عن أدولف هتلر ومساعديه من العسكريين والسياسيين، من خطابات وبيانات، وما يصدر في وسائل الإعلام الألمانية، ويخضع ذلك للتحليل والدراسة. كل هذه المرتكزات الثلاثة، أسست لقوة مقاومة بريطانية ضاربة.

في سنة 1962، شهد العالم حدثاً مرعباً. نشر الاتحاد السوفياتي صواريخَ نوويةً في كوبا، رداً على نشر أميركا صواريخَ نووية في تركيا. صار العالم على حافة حرب عالمية مرعبة، وانطلق سجال سياسي وإعلامي ناري بين الرئيس الأميركي جون كيندي، والزعيم السوفياتي المندفع نيكيتا خرتشوف. كان السياسي العاقل المحنك دين راسك، وزير خارجية الرئيس الأميركي الشاب جون كيندي، زرع قنوات اتصال سرية في هافانا وموسكو، بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. المعلومات تفيد بأن ما يصدر عن الزعيم السوفياتي خرتشوف، لا يمثل التوجه العام لكل القادة السوفيات، وفي كوبا حبس الشعب أنفاسه خوفاً من جحيم يلوح. موقف الرئيس كاسترو كان لا يقل تشدداً عن نيكيتا خرتشوف. تمكَّن الوزير دين راسك من لعب دور المهدئ، وقدم مبادرة ترضي الطرفين، تقوم على سحب أميركا صواريخها النووية من تركيا، والاتحاد السوفياتي سحب صواريخه من كوبا.

تاريخ لا ينساه العرب، سنة 1967، التي، ألحقت فيها إسرائيل هزيمةً سريعة، بثلاث دول عربية: مصر وسوريا والأردن. في شهر مايو (أيار) من تلك السنة عقد الرئيس المصري الراحل، مؤتمراً صحافياً دولياً، وأعلن فيه قراره بغلق مضائق تيران أمام السفن الإسرائيلية، واستعداد مصر لمواجهة إسرائيل، وارتفع التصعيد بين الدولتين. القادة العسكريون الإسرائيليون ومعهم السياسيون، عكفوا على تحليل كل كلمة قالها الرئيس عبد الناصر في مؤتمره الصحافي العالمي، وأجمعوا على أن الحرب، قرار فرض نفسه على إسرائيل. رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك كان ليفي أشكول، ركض كبار الضباط إلى بيته وطلبوا منه إعلان التعبئة والإعداد لهجوم استباقي. في فجر يوم الخامس من يونيو (حزيران)، شنت إسرائيل الحرب على مصر وسوريا والأردن. الرئيس المصري الراحل أنور السادات، كان تحرير سيناء الهدف الأول له، بدأ يعد العدة السياسية والعسكرية. المعلومة كانت بالنسبة له الجحفل الحربي الضارب. أتقن عمليات المناورات المستمرة بهذا السلاح. أكثر من مرة تقوم إسرائيل بعمليات تعبئة بعد خطاب أو تصريح للسادات، أو تحريك تضليلي للجيش المصري غرب قناة السويس. اليوم صارت المعلومة قوة ضاربة في الصراع، بقوة دور التقنية في التجسس والتنصت. نحن نعيش اليوم بين صوت الخطاب السياسي المراوغ، ونيران الصواريخ وصافرات الإنذار، واللغو الإعلامي والإنزال وسط عمليات القرار.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون



GMT 05:06 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

سلاح سرى فى لبنان

GMT 04:57 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

أبواب النجاة

GMT 04:56 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

الخليج: «كَأَن قَد رَأى وَقَد سَمِعا»

GMT 04:54 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

حول صعود دور القوى المتوسطة

GMT 04:53 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

زيارة لـ«البريسترويكا» بعد أربعة عقود

GMT 06:29 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

الصورة.. وما وراءها

GMT 06:27 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

من أين الطريق؟

GMT 06:26 2026 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

هل هي استراحة بين حربين؟

هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 19:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 17:09 2019 السبت ,22 حزيران / يونيو

افضل سن ليتوقف طفلك عن استخدام اللهاية

GMT 18:27 2019 الأحد ,01 كانون الأول / ديسمبر

البرازيلي فابينيو خارج كأس العالم الأندية

GMT 11:16 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

التشكيلة المحتملة لفريق الوداد ضد نهضة بركان

GMT 07:18 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

إسراء البابلي أول طبيبة أسنان مصرية فاقدة لحاسة السمع

GMT 19:22 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرف على سبب تعديل "النهار" خطة برنامج عمرو الليثي

GMT 00:48 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

المليارديرات يقاتلون لامتلاك قطعة ف "هاف مون باي"

GMT 00:14 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

جامعة الإمارات تجيز 3 رسائل ماجستير لطلبة الدراسات العليا

GMT 19:40 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

شركة دودج تطرح سيارة مخصصة لرجال الشرطة طراز دورانجو

GMT 21:45 2018 الجمعة ,15 حزيران / يونيو

جريمة اغتصاب تهز القنيطرة في أخر أيام شهر رمضان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib