بقلم : سوسن الشاعر
تزايدت أزمة المشرَّدين في بريطانيا بشكل ملحوظ لتصل إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغت نحو 4793 شخصاً ينامون في الشوارع في إنجلترا وحدها، بينما تشير تقديرات المنظمات الخيرية إلى مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعانون من التشرد بمختلف أشكاله. هذه هي آخر إحصائية كشف عنها رئيس الحكومة البريطانية أندي بيرنهام، مشيراً إلى خططه لتوفير سبل خروج من ينامون في العراء من الشوارع بحلول عيد الميلاد، وذلك في إطار مساعيه للحد من التشرّد على المستوى الوطني. هيئاتتنفيذية
وقد عدّد الخبر مجموعة أسباب لتفاقم هذه الأزمة، منها: الارتفاع القياسي في أسعار الإيجارات وتكاليف المعيشة، والنقص الحاد في وحدات السكن الاجتماعي المتاح، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية وزيادة تفكك الأسرة المعيشية. وفي اعتقادي أن تلك الأسباب لم تكن لتخلق هذه المشكلة لو وُجدت منظومة اجتماعية للتكافل شبيهة بما هو موجود في دولنا الخليجية.
فنحن نفخر - ولله الحمد - بأنه لا يوجد مشردون يبيتون في الشوارع في أي دولة من الدول الخليجية، ولا حتى خيام منصوبة لمبيت أي إنسان في دولنا. وليس ذلك لأنه لا يوجد لاجئون أو مقيمون أجانب، أو لأنه ليس هناك فقراء من ذوي الدخل المحدود من المواطنين؛ بل على العكس، تضم الدول الخليجية ملايين الأجانب من جميع دول العالم شرقه وغربه، ولدينا ملايين المقيمين العرب من دول تشتد فيها الصراعات وتجبر مواطنيها على الهجرة، والكثير منهم يعيشون في منطقة الخليج.
إذ يبلغ إجمالي عدد الأجانب والعمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 26 مليون شخص، ضمن إجمالي عدد سكان المنطقة الذي يتجاوز 63 مليون نسمة؛ حيث ترتفع نسبة الوافدين لتشكل الغالبية العظمى من السكان في دول مثل الإمارات وقطر، بينما تتفاوت النسب في بقية الدول. ولكنهم جميعاً معززون مكرمون؛ لديهم وظائف، وأبناؤهم في المدارس، ولا يجوع أحد أو يفقد مأواه بيننا.
لا يمكن أن تمر بمن يفترش الأرض أو ملقى في الطريق وتتخطاه دون اكتراث في الدول الخليجية الست. وذاك لا يعود فقط للإمكانات المادية والرفاهية والموارد النفطية التي تتمتع بها شعوب المنطقة، بل إن السبب الرئيسي الذي منع وجود هذه الظاهرة يعود بالدرجة الأولى إلى «منظومة القيم» التي تتمتع بها شعوب هذه المنطقة، وهي متشابهة في جميع الدول الست في جذورها وأصولها؛ سواء الدينية منها أو العرفية. فما حثَّ عليه ديننا الحنيف وما ورثناه من عادات وتقاليد - حيث لا يبيت بيننا جائع مهما كانت إمكاناتنا فنتقاسمها معه - عزز نظاماً تكافلياً اجتماعياً لا يُترك فيه الإنسان وحده دون سند، أيّاً كان جنس هذا الإنسان أو دينه أو وضعه في الدولة، ودون فرق بين مواطن ومقيم.
إن الأعراف العربية والقيم الإسلامية صنعت منظومة تكافل اجتماعي فريدة من نوعها، وقد تبدّت هذه القيم في جميع المحن والكوارث التي حلَّت بالمنطقة، سواء كانت حروباً أو أوبئة كجائحة «كورونا»؛ حيث كان الإنسان هو الأساس في حقه في الحماية والرعاية دون تفرقة بسبب جنسه أو دينه أو عرقه.
ولم تكتفِ دولنا برعاية من هم على أرضها فحسب، بل امتدت أيادي الخير من الدول الخليجية لتبلغ مساعداتها الإنسانية أكثر من 21 في المائة من إجمالي ما يقدمه العالم من مساعدات. فقد أعلن المركز الإحصائي الخليجي أن إجمالي قيمة المساعدات الإغاثية والإنسانية التي قدمتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بلغ 6.1 مليار دولار أميركي، لتتصدر دول المجلس بذلك العمل الإنساني عالمياً.